بحث علمي عن سوء التفاهم مع الأم

قسم: أبحاث علمية » بحث علمي عن سوء التفاهم مع الأم » بواسطة عبد الرحمن - 5 أبريل 2018

الإنسان مدني بالطبع، وبيان هذا أنه لا بد لـه من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكمل وحده لجميع مصالحه، ولا يستقل بجميع حوائجه، وهذا ظاهر، وإذا كان مدنياً بالطبع فإنه يقوم بالأخذ، والعطاء، والمجاورة والمحاورة، والمخالطة والمعاشرة (التوحيدي، 2007م، ص 227، بتصرف). يهدد سوء التفاهم روح التعايش وقد يدفع إلى السير في مسالك الصدام والانقسام والتضاد. من هنا كان على الإنسان أن يتحدث بأصدق لسان وأحسن بيان ليحصل مراده ويتجنب التجاذبات الاجتماعية الناجمة من سوء الإدراك.

 

تحتاج البنت إلى الإلمام بشطر من ثقافة الأمهات لتشق طريقا لجلسات ممتعة تنتعش فيها مشاعر التفاهم وتقارب وجهات النظر في المسائل الكبرى. الموضوعات الأكثر تداولا بين الصديقات هي المتصلة بالعلاقات الاجتماعية والأطفال والموضوعات المتعلقة بصحة النساء والعمل وحياة الصديقات الأخريات وآخر صيحات الموضة (هاينز, 2009م، ص 43). هذه الموضوعات وغيرها يمكن أن تكون مدخلا للبنت لفتح حوارات مع الأم فالأمهات لا يرغبن في التحدث عن موضوعات متمركزة حول قضايا البنات فقط ودراساتهن والصرعات الجديدة الخاصة بهن. كلما تنوعت مواضيع الحوار زادت فرص الآخرين في فهم ومشاركة ومحاورة الطرف الآخر.

من المهم إدراك الأسباب التي تجعل أمك لا تفهمك. “يمكن أن تكون أمك في الحياة رفيقة تثقين فيها, أو شوكة تنغص عليك حياتك, أو قاضيا جائرا, أو رئيسا في العمل لا تنتهي مطالبه, أو مستشارة لك ذات ذوق رفيع في الموضة, أو صديقة حكيمة… فأنت ساخرة, وصامتة, ودائمة الشكوى، وغاضبة. فكيف لشخص أن يكون جزء من حياتك في لحظة ما وغريب عنك في اللحظة التي تليها؟ كيف يُعقل أن المرأة – التي أنجبتك, وأطعمتك, وتولت رعايتك وتنشئتك وقضت معك معظم فترات حياتك أكثر من أي شخص أخر – لا تعرفكِ مطلقا. ومن الإنصاف أن نقول إن أكثر المواجهات المشحونة بالعواطف هي تلك التي تكون بين الأم وابنتها. ويعتبر سن المراهقة الوقت الذي تقترن فيه تلك المواجهات بقدر من التحدي أكثر من أي وقت آخر” (موقع كلام بنات: beinggirl-kalambanat.com).

رغم أن الأصل التأدب مع مقام الأم في كل الأحوال إلا أن الاحتكاك اليومي أحيانا قد سببا لمشكلات يمكن علاجها. يمكن الوقاية من كثير من سوء الفهم بين البنات وأمهاتهن وذلك بتطبيق مجموعة مهارات تصون علاقاتنا الاجتماعية من التفكك أو الضعف والبرود. وهكذا يتعرض صفو الأنس والوداد بين الأم وابنتها من حين لآخر بفعل سوء فهم وهذا أمر طبيعي قد ينشأ من إمكاناتنا القاصرة واجتهاداتنا البشرية المعرضة بالضرورة للاضطراب أحيانا.

فإذا كنت متضايقة من شخص ما يكون لديك الحق في أن تعبري عن مضايقتك ولكن أيضا عليك بتحمل مسئولية الاستماع إلى ما يقوله الطرف الآخر. وهكذا توجد فرصة للتصالح أو التسوية. لكن عليك أن تحذري من الحديث لفترة طويلة دون أن تدعي الفرصة للاستماع إلى الطرف الآخر (ماكجينيس، 2007م، ص 196). وقد تقسو الأم أحيانا على ابنتها وقد تتعرض علاقتهما للجفاء فدور الابنة الصبر والاحتساب والتقرب إلي والدتها فتزيل الشبهات، واللين في هذا المقام خير دواء وأفضل وسيلة لبسط الصفاء بين الأصدقاء لهذا قالوا “لِنْ لمن يجفو، فَقَلَّ من يصفو” (التوحيدي، 2007م، ص 45).

الحرص على تحقيق قدر أكبر من التفاهم الأسري يضمن التضامن بين جيل الكبار والصغار ويصبح الاختلاف بينهم اختلاف تنوع وهو اختلاف محمود. من الظلم أن نحكم على أمهاتنا بأنهن لا يفهمن الجديد. “تقول نورا: أنا لا أتمرد على أهلي ولا على الحياة السابقة التي كانوا يعيشونها لكن هم أنفسهم تطوروا معنا وأصبحوا يتأقلمون مع حياتنا، فأنا أجد أن أهلي هم الذين تغيروا وأصبحوا يواكبون الحياة معنا، بدلا من الصراعات التي تأتي من ورائها المشاكل والزعل، فأنا أشعر أن أهلي مثل أصدقائي وأمي تضحك معنا وكأنها من نفس جيلنا وأكيد هذا ذكاء وحكمة منها”  (محمد، 2011م، ص 22). هذا التغير الحميد لا يحدث من طرف واحد فلا بد من تقريب المسافات وتسديد الخلل وتقليص الفوارق من الجميع.

من الخطأ أن نلوم طرفا ونتهم الأمهات بالجهل لأن هذه حيلة دفاعية تهدف إلى تبرير القطيعة أو إقرار الجفوة والفجوة بين الطرفين. تقول إحدى الفتيات في طفولتي لم تكن والدتي تشكو مني بل كثيرا ما كنت أسمعها تمتدح أدبي ومعاملتي للآخرين، ولكن عندما كبرت ظهر الخلاف بيني وبينها فعندما أرغب في أن يكون شعري وتزيينه وترتيبه بشكل معين ترفض أي تسريحة جديدة مع أنها أصبحت موضة شائعة بين زميلاتي، وعندما أختار ملابسي تكون معركة واليوم تصرخ أمي لا تجلسي هكذا، ولا تتحدثي هكذا حتى أصبحت الأوامر كثيرة جدا. إنها لا تتفهم طبيعة سني ومشاعري ورغم أني أحاول الوصول معها لحل وسط إلا أن الأمر دائما ينتهي بعقابي لذلك أشعر غالبا أن الذين من حولي لا يفهموني (محمد، 2011م، ص 22). الأمهات يلقين اللوم على البنات وتمردهن فهن السبب…. والصحيح أن الخلاف أمر طبيعي ولكن يجب تخطيه عبر فتح حوارات أكثر عقلانية وتقدير مشاعر الطرف الآخر والموازنة بين الحرية الشخصية للبنات وتوجهات الأمهات على ضوء المرونة في اتخاذ القرارات والابتعاد عن الأفكار المسبقة والتقاليد المتشددة والتفكير المستبد والأناني.

جات إلينا فتاة تطلب استشارة تربوية فقالت لنا:

إن أمهي تراقبني بصورة بوليسية استفزازية لدرجة أنها تضيق ذرعا ويجن جنونها إذا رأتني أغلق باب غرفتي على نفسي فهي تريده دائما مفتوحا. قلنا لها: أمك تحبك وتريد الخير لك وعنادك زاد الأمر سوءا كما تقولين وننصحك بأن تتعبدي الله سبحانه بالصبر على تصرفاتها وتغييرها بالحسنى وبالتدريج وبناء علاقات أكثر تفهما. وبعد محاولات متعددة وفشل يتلوه فشل نجحت الفتاة في تكوين علاقة أكثر استقرارا مع أمها ونجحت في تقليص المراقبة المفرطة وأخذت علاقتها بالتحسن بعد أن كانت علاقة تصادمية حدية عنادية. لم تكن المشكلة مشكلة إغلاق باب الغرفة بل كان ذلك عرضا لمرض العلاقات بينهما وضعفها الشديد بسبب نقص الثقة والحماية الزائدة.

ولكي نحمي كيان وبنيان الصداقة فعلينا الابتعاد عن الجدال فإن يدمر العلاقات ويورث العداوات. يقول محمد فتح الله كولن “الشخص الذي يكثر نزاعه ونقاشه مع المحيطين به يقل أصدقاؤه. ومن أراد زيادة أصدقائه ورغب في أصدقاء أوفياء، عليه الابتعاد عن الدخول معهم في نقاشات لا طائل منها.” وعليه لا تحكمي على الأمور قبل استكمال فهم جميع أركانها وعواقبها المتوقعة. قال جبران خليل جبران “نصف ما أقوله لك لا معنى له، ولكنني أقوله ليتم معنى النصف الآخر“. “أنت أعمى، وأنا أصم أبكم، إذن ضع يدك بيدي فيدرك أحدنا الآخر“. اقيل لأحدهم أي شيء أمتع؟ قال: ممازحة محب، ومحادثة صديق (التوحيدي، 2007م، ص 163) ولا يتحقق ذلك إلا بالبعد عن الجدل.

فهم الآخر غاية لا تتحقق إلا بحسن الظن ودقة اختيار الكلمات والوقت ولكي يكون الإنسان حاذقا صادقا فعليه بالتجرد والموضوعية وتوظيف المشاعر الطيبة لا للانتصار في المواقف بل لاتباع الصواب. كان الشافعي يكلم الناس على سبيل النصيحة, ومن أقواله: ما ناظرت أحدا قط، فأحببت أن يخطئ, وما كلمت أحدا قط, إلا ولم أبال بين الله, الحق على لساني أو لسانه. هذه العقلية الجسورة تبني جسور التواصل الاجتماعي وتصنع شخصية واعية متزنة تجعل التفاهم ممكنا ميسرا، والحوار سمحا هادفا. الفشل في التفاهم يرجع غالبا إلى الافتقار للأخلاقيات والمشاعر والنيات والسلوكيات الطيبة التي تنظم وتهيمن على حركاتنا. وعلى ضوء تلك المعايير الدقيقة الملموسة فلننظر إلى الإخفاقات الأسرية، والتجاذبات المذهبية، والمشاحنات السياسية والنزاعات الاجتماعية الناشئة عن سوء الفهم التي تقع في واقعنا وتكبل إمكاناتنا في التواصل الاجتماعي، والتفاعل الإيجابي لتحقيق مطالب الحياة.

تتمتع الفتاة اليوم بنصيب وافر من الفرص التي تفتح لها مجالات الثقافة فعليها استثمارها وتنمية شخصيها على ضوء الحكمة وبالفكر الثاقب يُدرك الرأي الصائب. ولعل الاطلاع على سيرة الحكماء وسيلة رائعة لتنقيح منطقنا وتحسين سلوكنا وتصفية نفوسنا. قال أرسطو: بالعقول تتفاضل الناس لا بالأصول، والحكمة رأس العلوم، وبلين الكلم تدوم المودة في الصدور، وبخفض الجناح تتم الأمور، وبسعة الأخلاق يطيب العيش ويكمل السرور، وبإصابة المنطق يعظم القدر ويرتقي الشرف، وبالإنصاف يحب التواصل، وبالتواضع تكثر المحبة، وبالعفاف تزكو الأعمال، وبالرفق تستخدم القلوب، وبالوفاء يدوم الإخاء، وبالصدق يتم الفضل. الارتقاء إلى السؤدد صعب، والانحطاط إلى الدناءة سهل. صديق الملول زائل عنه، السيء الخلق مخاطر صاحبه، البخيل ذليل وإن كان غنياً، والجواد عزيز وإن كان مقلاً، الطمع هو الفقر الحاضر، لا أدري نصف العلم، السرعة في الجواب توجب العثار، التروي في الأمور يبعث على البصائر، الرياضة تشحذ القريحة، الأدب يغني عن الحسب.

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *