بحث علمي عن الفتوي

قسم: أبحاث علمية » بحث علمي عن الفتوي » بواسطة محمود الاسوانى - 8 أبريل 2018

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والتسليم على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه .

الحمد لله الذي أرسل الرسل لهداية البشر , وختم بهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أكمل الدين ببعثته ,فلقد جاء بالهدى ودين الحق فلا تحتاج الأمة لزيادة في الدين بل تحتاج لمعرفة الدين .

ومع تعاقب الأزمان , نبتت بين المسلمين نبتة خبيثة , رؤوس جها ل ادعوا العلم فضلوا وأضلو .

وقديما قيل : إذا كثر الملاحون غرقت السفينة .

وقال ابن حزم رحمه الله تعالى : لا آفة على العلوم وأهلها , أضر من الدخلاء فيها , وهم من غير أهلها , فإنهم يجهلون , ويظنون أنهم يعلمون , ويفسدون ويقدرون أنهم يصلحون .

إن حمى الدين قد استبيح من قبل هؤلاء الجهال الأغرار , فكان لابد من التطرق لهذا الموضوع لأهميته وخطورته ولخطر هؤلاء الجهال على الدين.

نعوذ بالله من أناس ——— تشيخوا قبل أن يشيخوا .

فعلمهم فجر كاذب وسهم خائب , فكان من الضروري صيانة الدين من جهل هؤلاء .

سيتم تناول البحث من خلال النقاط التالية :

أولا  – مقدمة .

ثانيا  – فضل العلم والعلماء .

ثالثا  – تعريف الفتوى .

رابعا – شروط وأدوات الفتوى والفرق بين الفتوى والإجتهاد .

خامسا  – حكم الفتوى بغير علم .

سادسا – أسباب الجرأة على الفتوى .

سابعا   – أضرار وأخطار الفتوى بغير علم .

ثامنا  – قضايا تتعلق بالفتوى .

مقدمة البحث

( في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما .عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لايقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الرجال , لكن يقبض العلم بقبض العلماء , فإذا لم يبقى عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا , فسئلوا فأفتوا بغير علم , فضلوا وأضلوا ).

هناك نبتة خبيثة نبتت بين المسلمين , حيث تصدر للفتوى من هم ليسوا أهلا لها فادعوا العلم وهم  يتربعون أعلى مراتب الجهل .

فظهر :

من تزبزب قبل أن يحصرم .

فهؤلاء ناموا عن العلم ولم يستيقظوا لأنهم غارقون في أحلام الجهل , وفيهم قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى

هذا وإني بعد ممتحن بأربعة ——— وكلهم ذوو أضغان .

فظ , غليظ , جاهل , متمعلم ——— ضخم العمامة واسع الأردان .

متفيهق , متضلع بالجهل , ذو ضلع ——– وذو جلح من العرفان .

مزجي البضاعة في العلوم وإنه ——– زاج من الإيهام والهذيان .

ماعنده علم سوى التكفير ——- والتبديع والتضليل والبهتان .

( قيل لسفيان بن سعيد الثوري رحمه الله تعالى , فيمن حدث قبل أن يتأهل . قال : إذا كثر الملاحون غرقت السفينة ).

– 1 –

لقد استبيح حمى الدين من قبل الجهلاء الأغرار , لكنهم مثل الفجر الكاذب سريعا مايكتشف الناس قلة بضاعتهم فينصرفوا عنهم .

فلا يجوز الصمت حيال الفوضى التي تنتشر بين المسلمين بخصوص التصدر للفتوى من قبل رؤوس جهال يلبسون لبوس العلم وهو منهم براء , ولابد من الصدع بالحق ودق ناقوس الخطر بوجه أولئك المتفيقهين .

إن الذين يتصدرون للفتوى بغير علم مثل دليل الركب الجاهل بالطريق فسوف يتيه بمن معه , فالأولى الحجر على هؤلاء كما يتم الحجر على السفهاء .

( رأى رجل ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك , يبكي فقال : مايبكيك ؟ فقال : استفتي من لاعلم له , وظهر في الإسلام امر عظيم ! قال : ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق !)

ونجد اليوم من يقحم نفسه بالعلم والفتوى ولا يدري أنه جاهل ويقحم نفسه بما لايعنيه , ونقل أن أحد السلف قال : إذا خاض المرء بغير فنه  أتى بالعجائب .

فضل العلم والعلماء 

أولت الشريعة إهتماما كبيرا بالعلم والعلماء من خلال نصوص القرآن والسنة .

فالعلماء هم حراس الدين وحماته من التحريف , ومن الزيادة أو النقصان , وهم صمام الأمان في الأمة , وهم حملة الرسالة بعد الأنبياء .

قال تعالى ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون إنما يتذكر ألوا الألباب ).

وقال تعالى ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ).

وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم . فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا ) سورة النساء 59.

قال عبد الله ابن عباس وبعض المفسرين والإمام أحمد بن حنبل : ألوا الأمر هم العلماء .

( وقال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير ) .

( وقال صلى الله عليه وسلم : العلماء ورثة الأنبياء , والأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم , فمن أخذ به أخذ بقسط وافر ) .

( فعن قيس بن كثير قال : قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي ؟ فقال : حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : أما جئت لحاجة ؟! قال : لا .
قال : أما قدمت لتجارة ؟! قال : لا .
قال : ما جئت إلا في طلب هذا الحديث .
قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة ….. ) أخرجه الترمذي .

وقال تعالى : ” إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ” [ الإسراء : 107-109 ]

 تعريف الفتوى 

( قال ابن الأثير : يقال أفتاه في المسألة يفتيه إذا أجابه ).

( وقال ابن منظور : يقال أفتيت فلانا رؤيا رآها : إذا عبرتها له , وأفتيته في مسألته : إذا أجبته عنها ).

( والفتوى والفتيا هي : ذكر الحكم المسؤول عنه للسائل ).

(وفي الإصطلاح الشرعي : هي الجواب عما يشكل من المسائل الشرعية , والإفتاء هو إبانة الأحكام في المسائل الشرعية . وهي بيان الحكم الشرعي في مسالة من المسائل , مؤيدا بالدليل من القرآن أو السنة , أو الإجتهاد ).

شروط وأدوات الفتوى , والفرق بين الفتوى والإجتهاد والقضاء 

الفتوى هي حكم الله في المسألة , فلا بد لمن يتصدر للفتوى أن تتوفر فيه شروط ومواصفات وأدوات معينة

– 2 –

وقد فصل فيها العلماء ويمكن تلخيصها بالتالي :

1-    الإسلام .

2-    العقل .

3-    البلوغ .

4-    العدالة .

5-    العلم الشرعي والذي قال فيه:

– الإمام الشافعي : لايحل لأحد أن يفتي في دين الله , إلا رجلا عارفا بكتاب الله , بناسخه ومنسوخه , ومحكمه ومتشابهه , وتأويله وتنزيله , ومكيه ومدنيه , وما أريد به , ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم , ويعرف من الحديث مثل ماعرف من القرآن , ويكون بصيرا باللغة , بصيرا بالشعر , ومايحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف , ويكون مشرفا على إختلاف أهل الأمصار , وتكون له قريحة بعد هذا , فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام , إذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي .

–         وقال ابن عابدين : وشرط بعضهم تيقظ المفتي من حيل البعض ودسائسهم .

–         وقال صالح بن أحمد : قلت لأبي : ما تقول في الرجل يسأل عن الشيء فيجيب بما في الحديث وليس بعالم في الفقه ؟ فقال : ينبغي للرجل إذا حمل نفسه على الفتيا أن يكون عالما بالسنن ، عالما بوجوه القرآن ، عالما بالأسانيد الصحيحة ، وذكر الكلام المتقدم .

  وقال الشيخ علي محي الدين القرة داغي : وأن يكون لديه -بالإضافة إلى العلم بالنصوص الشرعية-     فقه بالمبادئ الكلية والقواعد العامة لهذه الشريعة كمبادئ العدالة، والشورى، والحرية، وكرامة الإنسان،   والمساواة ونحوها حتى لا يتجاوزها في اجتهاده وفتاواه.

واشترط فضيلته أن يكون لدى المفتى دراية بفقه المقاصد الشرعية بما فيها فقه المصالح والمفاسد وفقه الموازنة بينهما في حالة تعارضهما، وفقه سد الذرائع، وفقه المآلات، وأن يكون لديه فقه الميزان أو الموازين بحيث يعرف ميزان كل باب من أبواب الفقه.

وأما الفرق بين الفتوى والإجتهاد فيتلخص في 

–         أن الإجتهاد مأخوذ من الجهد واستفراغ الوسع , بحيث يبذل الفقيه الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الإستنباط .

–         وعرفه ابن حزم رحمه الله تعالى فقال : هو استنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة , حيث يوجد ذلك الحكم .

–         الإجتهاد يكون في الأمور الظنية فقط , ولايتطرق للقطعيات .

–         أما الفتوى فهي فرع عن الإجتهاد والتقليد .

–         الفتوى تكون في الفرعيات والجزئيات والظنيات  والقطعيات .

–         الفتوى والإجتهاد غير ملزم .

–         الفتوى والإجتهاد يختلفان عن الحكم القضائي الذي هو ملزم للخصمان .

–         لايمكن اعتبار المفتي قاضيا .

 

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *