ما هي مصادرات العلوم المعرفية وأنموذجاتها الأساسية

قسم: علم النفس والأجتماع محمود الاسوانى - 26 يوليو, 2017

مصادرات العلوم المعرفية وأنموذجاتها الأساسية

المصادرات الرئيسية

  1. يرتكز العلم المعرفي من منظور عدد من الباحثين وفي مقدمتهم Rastier (1991) على مصادرتين اثنتين تتخذان صورة أطروحات علمية متنوعة أهمها:
  2. الأطروحة التي تقول بضرورة تقليص وربما القضاء على الثنائية التقليدية بين الذهن والدماغ وذلك لكونهما ينتميان إلى فرشة الكائن نفسه أو إلى مستوى الواقع نفسه. والواقع أن المصادرة التي تحكم هذه الأطروحة هي مصادرة واحدية moniste مادية.
  3. الأطروحة التي تقول باستطاعة الإنسان أن يقلد ويصور اصطناعيا العمليات العقلية، وإن المصادرة المرتبطة بهذه الأطروحة والتي تنبني على الذكاء الاصطناعي قد تم تفسيرها وفق ثلاث كيفيات (Rastier، 1991: 34-35):
  4.  التفسير الأول: يتحدد في تقليد المخرجات دون الاهتمام بإعادة إنتاج العمليات التي يشتغل عليها الحاسوب مثلا. ففي ميدان الحوار إنسان-آلة، فإن هذا يمكنه أن يقود إلى أنظمة ترديدية وفي آن واحد إلى أنظمة جد متطورة تعالج التمثلات الدلالية دون أن تتخذ صيغة هذه التمثلات ومعالجتها كصورتين متماثلتين لصيغة تمثلات الذهن الإنساني (Winograd، 1983).

 التفسير الثاني: قوامه أن إنتاج مخرجات مماثلة يستوجب تقليد أو تصوير simuler العمليات العقلية التي تتولد على أساسها. وهكذا أصبح المعلوماتيون يتوجهون نحو السيكولوجيين والنوروفيزيولوجيين لتحديد صدق فرضياتهم ولتطوير كفاءات أنظمتهم وذلك باستلهام ما يعرفه هؤلاء عن العمليات العقلية.

– التفسير الثالث: مفاده أن تقليد الاشتغال المعرفي أو تشخيصه بصورة جد ملائمة يستدعي معالجة المعلومات بواسطة شبكة من الخلايا العصبية الصورية. وهنا يكمن مبدأ النماذج الاقترانية les modèles connexionnistes لكل من Feldman وBallard (1982)، Baroule (1985) ثم Smolensky (1988)، (Jadouin، 1990: 9-39).

كما قد يبدو ذلك واضحا، فإن مفهوم التشخيص بالمحاكاة يمكنه أن يفهم بثلاث كيفيات أساسية توازي ثلاث درجات متتالية من الثبات: في الدرجة الأولى يمكن للتعاون بين اللسانيات والمعلوميات أن يكفي. في الدرجة الثانية يصبح تعاونهما مع السيكولوجيا ضروريا. أما في الدرجة الثالثة فيجب الاستناد إلى العلوم العصبية.

الأطروحة الثالثة: وهي من نوع معرفي، مؤداها أن المعرفة هي تمثل رمزي للواقع. فإذا اتفقنا مع Descartes على أن “فكر penser” يعني الاشتغال حول مثل هذه التمثلات ومع Hobbes على أن الاستدلال الذي يشكل الصيغة العليا للفكر يختزل في الحساب، فإن الآلة (الحاسوب) التي تعمل حول الرموز تصبح قادرة على الاستدلال حول المعارف، وهذا ما يدعم المقارنة بين الدماغ والحاسوب على اعتبار أنهما يشكلان نظامين ماديين للاشتغال حول التمثلات الرمزية. والحقيقة أن هذه المصادرة تنطوي على مشروع التشخيص بالمحاكاة projet de simulation الذي يتجلى في النسخة المثلى للمعرفانية le cognitivisme، إذ سواء تعلق الأمر بالسيكولوجيا المعرفية أو بالذكاء الاصطناعي، فسيصبح بالإمكان معرفة اشتغال الدماغ حينما يتم تقليده أو تشخيصه بواسطة الآلات التي تعالج الرموز. وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة ذات الطابع الإبستمولوجي، يختصرها Rastier (1991: 36) في مسألتين:

– الأولى هي أن مفهوم المعرفة الذي يلعب دورا مركزيا في العلم المعرفي يستخدم كثيرا في المجال المحدد لهذا الأخير دون أي تدقيق لوضعه العلمي. فعلى سبيل المثال هناك اعتماد دائم في السيكولوجيا المعرفية وفي الذكاء الاصطناعي على الشبكات الدلالية لتمثيل المعارف. لكن الملاحظ أن المفاهيم المحددة داخل هذه الشبكات هي ببساطة مضامين لسانية صرفة، وبالتالي فالمفروض هو عدم مماثلة المعنى والمعرفة دون أي استفسار أو تساؤل حول علاقتهما.

– الثانية هي أن تنظيم العلاقات بين التخصصات في إطار العلم المعرفي يستدعي جملة من التدقيقات الإضافية، وفي مقدمتها أن وضع التخصصات المكونة لهذا العلم هو وضع غير متساو. فإذا كان بإمكان السيكولوجيا المعرفية والمعلوميات واللسانيات والعلوم العصبية أن تأخذ اسم علم، فإن الأمر لا يصح بالنسبة للذكاء الاصطناعي، ذلك أن تسمية هذا الأخير بالعلم سيعني ضمنيا الوقوع في تناقض واضح قوامه الاعتقاد أن التطبيق الذي يتم على شكل نظام للذكاء الاصطناعي يصدق بالتالي التصورات النظرية التي تحكمت في إقامته، والحالة الثانية أنه إذا كان مفهوم ما مفهوما إجرائيا من الناحية التقنية، فهو لن يصبح بالتالي مفهوما عملياتيا في النظرية، الأمر الذي يستدعي تخطي هذا الخلط الذي لن يعمل، إذا بقي على ما هو عليه، إلا على رهن العلم المعرفي والوقوف به عند حدود الإيديولوجيا التقنوية الضيقة.

 

 

 البراديغمان الرئيسيان

إذا كانت المصادرات التي أتينا على عرضها ذات أهمية كبرى لكونها تشكل القواسم المشتركة للبراديغمين المعرفاني والاقتراني، فإن السؤال الذي يطرح هنا هو ما مرجعيات وخصائص هذين البراديغمين؟ وما هي أوجه اشتراكهما واختلافهما؟ في محاولة الإجابة عن ذلك، يمكن الاعتماد على المستويين التاليين من الوقائع والأفكار:

الأول يتحدد في كون أن هذين البراديغمين اللذان كانا ومازالا يتنافسان على امتداد نصف قرن من الزمن، حيث يستفيد كل منهما من مشاكل وصعوبات الآخر، يمكن ربطهما بأصول فلسفية ومرجعيات نظرية متنوعة (Rastier، 1991: 37-38):

– فمن جهة أولى يمكن ربطهما بنسقين فلسفيين كبيرين: أولهما تحليلي يتميز بفكر التروي، وثانيهما فينومينولوجي يتميز بفكر الاطراد. فالمعرفانية الأرثودوكسية قد ورثت وباستحقاق أشياء كثيرة عن الفلسفة الوضعية-المنطقية كما نجدها عند كل من Wittgenstein وRussell وCarnap. فهذه الفلسفة التي تقيم علاقات واسعة مع المعرفانية الأرثودوكسية، هي التي هيأت الظروف النظرية المواتية لتصور الحواسيب التي ستسيطر من حيث اشتغالها وأداؤها على المتخيل المعرفاني، وهي التي ستتخذ من اللغات الصورية المثال الرمزي المتحدى. وهذا أمر لا يخلو بطبيعة الحال من انعكاسات سلبية على المنظور المعرفاني للغة.

– في المقابل، لقد تبنى أنصار الاقترانية بعض صيغ الفلسفة الفينومينولوجية ذات المضمون الوجودي مع Heidegger والوجوداني مع Merleau-Ponty لمحاربة المعرفانية على المستوى الفلسفي وبشكل خاص كل ما يتعلق بالوضعية المنطقية والذكاء الاصطناعي، رغم أن هذا الصراع سرعان ما فقد حدته وبريقه ما بين الحربين.

فالمؤسف على حد تعبير Rastier (1991: 41) هو أن أعداء أعدائنا ليسوا دائما أصدقاءنا، وبالتالي فإذا كانت الفينومينولوجيا الهيدغيرية تقف ضد التكنولوجيا فإن الاقترانية تشكل في أساسها إطارا للصناعة المعلوماتية. لكن مع ذلك فالملاحظ أنه إذا كانت المعرفانية الأرثودوكسية تقيم علاقات وثيقة مع الوضعية المنطقية، بحيث تشغل فيها الذات المتعالية transcendantale الموقع المركزي، فإن الاقترانية لا يمكنها أن تنفصل عن الفينومينولوجيا الهيدغرية والهوسرلية لتشكك بذلك في التصور الكلاسيكي لفلسفة الذات وبالتالي في الفلسفة الترانسندنتالية.

– ومن جهة ثانية يمكن القول إن هذين النموذجين المتنافسين قد تبلورا حول مجازين متعارضين: مجاز الحاسوب ومجاز الدماغ. فبالنسبة للمعرفانية يتكون القطب المجازي من الحاسوب، وهذا أمر توضحه بجلاء تام السيكولوجيا المعرفية التي تفترض أن الأفراد يعالجون المعلومات في أزمنة معقولة قبل تنفيذها. إنهم يخزنون المعلومات في مختلف الذاكرات عن طريق مراقب يقدم مختلف الموارد إلى مصففات جد متخصصة (Denhière، 1985).

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرهان النظري ليس رهانا نمائيا بل إن الأمر يتعلق باختزال المعرفية في عمليات آلية حول الرموز وباختزال العلوم المعرفية في المعلوميات إلى حدود أن هذه العلوم لن تصبح إلا مظهرا نظريا في نظر العديد من الباحثين (Winograd، 1983: 4). وهكذا فإن أنصار هذا النموذج، وعلى أساس كونهم ينظرون إلى الذهن من خلال صورة البرامج المعلومياتية، نجدهم يطابقون بين قالبية الأنظمة المعلوماتية والقالبية la modularité المفترضة من لدن الذهن الإنساني. فالتصور القالبي للغة والذي صاحب انتشاره انتشار الاتجاه الشومسكوي في كل مكان يستوجب إعادة النظر والدراسة، بحيث أنه إذا كانت المكونات اللسانية منفصلة وتعمل بالتسلسل الواحدة بعد الأخرى، ألا يعني هذا أن “العضو العقلي” للغة يتم تصوره انطلاقا من المجازات المعلوماتية عوض المعطيات النورولوجية؟

لقد أحسن Fodor (1975) حينما ذهب إلى التأكيد على أن النماذج الوحيدة المتوفرة حاليا بخصوص السيرورات المعرفية هي تلك التي تمثلها كسيرورات حاسوبية computationnels. وإن ما يشبه هذه التصورات التي تؤثر بطبيعة الحال في تصور اللغة ليست نادرة أو منعدمة في مجال العلوم المعرفية، فإلى هذا الاختزال الحاسوبي يستجيب المجاز العصبي عند الاقترانيين. وهذه مسألة يؤكدها كل من McClelland وRumelhart وHinton (1986)، حيث يقولون بإمكانية استبدال مجال الحاسوب كنموذج للذهن بمجاز الدماغ كنموذج لهذا الأخير. وإن الرصيد اللغوي للاقترانيين في مجال الحاسوب كنموذج للذهن بمجاز الدماغ كنموذج لهذا الأخير. وإن الرصيد اللغوي للاقترانيين في مجال الذكاء الاصطناعي يعج ببصمات ومفاهيم الفيزيولوجيا العصبية من قبيل: الكبت والتحريض والأعصاب الصورية… وهكذا فإن الاقترانية تظهر أيضا كشريك نقيض للمعرفانية، حيث يرفض أنصارها قبول الاستقلالية النظرية والتطبيقية لكل ما هو حاسوبي لكونهم يعتقدون أن الصناعة المعلوماتية تشكل الإطار الملائم للتصديق التجريبي لافتراضاتهم الفلسفية (Rastier، 1991: 42).

إن المجازين: المعرفاني “ذهن ← حاسوب” والاقتراني “دماغ ← حاسوب”، يوحيان بالقراءة التي مفادها أن المادة تفكر وأن ثنائية: ذهن-دماغ يجب أن تختزل، لتبقى المقاربة المتبادلة هي: دماغ ↔ حاسوب. وهنا يكمن التواطؤ المستتر للأنموذجين رغم أن الفرق بينهما يتحدد في كون أن المعرفانية تريد أن يفكر الدماغ على شاكلة الحاسوب وأن الاقترانية تريد أن يفكر الحاسوب على شاكلة الدماغ. ففي نظر G.P.Dupuy، إن أصل هذا التواطؤ يكمن في اتساع مفهوم المعلومات حيث تنتشر هذه الأخيرة داخل الحاسوب مثلما تنتشر بين الأشخاص والآلات أو مثلما يمكنها، ولماذا لا، أن تنتشر في المستقبل القريب وسط مجتمع من الآلات (Dupuy، 1985: 10). هذا فضلا على إمكانية التسليم بوجود نوعين من المعلومات أحدهما بيولوجي والآخر اصطناعي (Andler، 1986: 21).

الملاحظ إذن أن النموذجين معا يواجهان نفس المعضلة، فإما أن المفهوم المتحكم في المعلومة يصبح مفهوما غامضا لكونه يشير إلى مختلف أشكال التواصل والتفاعل بما في ذلك ما يوجد على المستوى البيولوجي. وفي هذه الحالة يكاد العلم المعرفي أن يعرف نفس المصير المأساوي الذي انتهى إليه البحث السيميائي وخاصة حينما تخلى عن ميدان الإشارات وبدأ يثرثر حول القانون التكويني وغيره من الأمور التي لا علاقة لها بميدانه. وإما أن يحافظ مفهوم المعلومة على مضمونه التقني ليرتبط أساسا بالمستقبلات الكهروميكانيكية ذات القدرة القابلة للحساب. فالمعلومة المنظور إليها بهذا الشكل لا يمكن وصفها إلا عن طريق لغة الفيزياء الرياضية. فهي تشكل طاقة خفية يمكن حساب تكرارها، رغم أن كل هذا لا يتماشى نهائيا مع المعارف الحالية (Andler، 1986: 65-66).

في الواقع إن هذا التصور الذي يتقاسمه النموذجان بخصوص المعلومة هو الذي يشكل الأساس القوي لوظيفتهما المشتركة. فإذا كان Putnam (1975) يعرف مفهوم الوظيفة le fonctionnalisme على أساس أن برامج الذكاء الاصطناعي هي في طريقها إلى التحقق، فمعنى هذا أن الآلات يمكنها أن تفكر وأن تقوم بوظائف ذكية، بحيث أن مختلف الكائنات، آلات كانت أم أشخاص، قابلة لأن تصبح ذكية وقادرة على تحقيق أنواع البرامج نفسها. وهذا ما يعطي للوظيفة مكانة متميزة وخاصة على مستوى تقديم حلول جديدة لمشكل العلاقات بين الذهن والجسد. فإذا كان مفهوم الوظيفية هذا قد عرف نجاحا باهرا لأنه يسمح بالصياغة النظرية لافتراضات الذكاء الاصطناعي، فإن المعرفانية الأرثودوكسية قد تعاملت مع هذا المفهوم من خلال أعمال كل من Fodor وPylyshyn، في حين أن الاقترانية لم تتمكن من انتقاد هذا المفهوم بكيفية مقنعة لكون أن أنصارها يتقاسمون غايات الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي ولا يرفضون إلا الوسائل المعلوماتية للتشخيص بالمحاكاة (Rastier، 1991: 45).

إن الوظيفية، رغم أن Fodor لا يقبلها، تصوغ من جديد الثنائية الفلسفية التي تفصل بين الذهن والمادة عامة وتعارض بين الشكل forme والجوهر substance. والحقيقة أن “الوظائف الذكية” السابقة الذكر تتولد عن السلوكات العقلانية، لكن العقلاني le rationnel يساوي هنا الصوري le formel وبالتالي فإن الوظيفية أصبحت تشكل نوعا من الصورية وفرعا من فروع المثالية. وبرفضهم للحل الذي قدمه أرسطو والذي مفاده أن الشكل متأصل في الجوهر، ذهب المعرفانيون إلى تبني ثنائية من النوع الأفلاطوني، حيث إن الجديد هنا هو أن العقل الذي هو عبارة عن شكل محض يستعلي أو يتجاوز التعارض بين الطبيعي le naturel والاصطناعي l’artificiel (Vesitti، 1990: 209).

الواقع أن ثنائية الشكل والجوهر تماثل ثنائيات أخرى وفي مقدمتها: ثنائية الذهن والجسد وثنائية الرمزي والفيزيقي. وإذا عدنا إلى المعرفانية الأرثودوكسية سنلاحظ عليها نوعا من الإحراج لكون أن الثنائية التي تحكمها لا تضمن لها نوعا من التطابق بين الرمزي والفيزيقي، الأمر الذي يترجم هذا النوع من الأنانية الميتودولوجية المطلقة عند كل من Fodor وPylyshyn بخصوص ثنائية الرمزي والفيزيقي وهذا النوع من القطيعة التامة بين المعرفي الداخلي والفيزيقي الخارجي. وبهدف تجاوز الصعوبات التي قد تتولد عن ثنائية الرمزي والفيزيقي لدى المعرفانيين وخاصة صعوبة التثبت من مطابقة التمثلات العقلية الداخلية لتلك التي تمثلها (الخارجية)، ذهب بعض الاقترانيين وفي مقدمتهم Smolensky (1988) إلى اقتراح مفهوم المستوى شبه-الرمزي ليقوم بدور الوساطة بين الرمزي le symbolique والفيزيقي le physique من جهة، وبين الرمزي والبيولوجي من جهة أخرى. لكن المعرفانيين الأرثودكسيين أمثال Fodor وPylyshyn يرون أن هذا المستوى شبه-الرمزي ما هو إلا لقيط للمستوى الرمزي، وحسب Rastier (1991) فإن هؤلاء لم يتلقوا بعد أية إجابة مقنعة بخصوص هذه المسألة لكون أن الاقترانيين يدينون بالوظيفانية التي لا تقبل الانفصال عن برامج الذكاء الاصطناعي ولم يدركوا بعد أهمية وفعالية الأخذ بنظرية الدلالة كما هي متداولة في الأنموذج المعرفاني (Rastier، 1991: 46).

بالنظر إلى مكانة هذين الأنموذجين ضمن المعلوميات التي تنبني من حيث مرجعيتها الفلسفية والنظرية على بنيات المعطيات عوض المجازات السابقة الذكر، نجد أن المواجهة بينهما تتحدد في نمطين من المعالجة: الأولى رمزية، منطقية، متسلسلة، منفصلة وتراتبية، تهم الأنموذج المعرفي. والثانية مترابطة، قياسية، متوازية، متصلة ومشتتة تهم النموذج الاقتراني. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كانت سوسيولوجية أوساط المعلوميات والذكاء الاصطناعي تنبني على هذا النوع من التناقض بين نمطين من المعالجات فإن التطبيق هو الذي سيحسم لاشك في ذلك مآل ومصداقية كل نمط من هذين النمطين. فالاقترانية لا حق لها في أن يعتد بها إلا حينما تصل إلى مستوى البرهنة على فاعليتها المرتفعة في سلسلة من التطبيقات المتكررة. ويبدو أن ميدان الإدراك الآلي هو الذي سيشكل المنفذ المستقبلي لهذه التطبيقات لكون أن الاستثمارات الأكثر أهمية، تندرج حاليا في إطار هذا الميدان وخاصة بالنسبة للبرامج العسكرية المتعلقة بالمعرفة الأوطوماتيكية للأهداف (Rastier، 1991: 48).

أما المستوى الثاني من الوقائع والأفكار فيتجلى في محاولة التعريف بهذين النموذجين من خلال التركيز على خصائصهما ومظاهر اشتراكهما وتباينهما. فإذا كان المقصود بالمعرفانية هي المعرفانية الأرثودوكسية وخاصة معهد مساشوست للتكنولوجيا MIT الذي يتحدد أساتذته المرموقون في Chomsky بالنسبة للسانيات وFodor بالنسبة للسيكولوجيا المعرفية، فإن العلوم المعرفية تبدو بالنسبة للأنموذج المعرفي ذات موضوع مشترك يتحدد في المعارف على اعتبار أنه إذا كانت السيكولوجيا المعرفية تعالج بنوع من التفضيل الاستدلالات حول المعارف وكيفية تخزينها والتمكن منها، فإن الذكاء الاصطناعي يركز على مشكل تمثل المعارف، في حين أن اللسانيات تقترح نماذج للقيام بذلك.

وتشكل المعرفة ضمن هذا الأنموذج سيرورة للتمثل الرمزي على النحو التالي:

  • – يتكون العالم من الأشياء ومن حالات هذه الأشياء.
  • – المعارف عبارة عن تمثلات رمزية للأشياء وحالاتها.
  • – تتحدد مهمة الذكاء الاصطناعي والسيكولوجيا واللسانيات في إنشاء التمثلات الرمزية الخاصة بالمعارف نفسها وبالكيفية التي يمكن عن طريقها الاشتغال حول هذه التمثلات.
  • والواقع أن هذا الأنموذج يتبنى تصورا اختزاليا للمعنى، حيث إن معنى أي رمز من الرموز يتجلى في ترجمته إلى رموز أخرى، هذا بالإضافة إلى مماثلته الفكر باللغة؛ إذ يشكل التمثل العقلي سلسلة من الرموز الخاصة باللغة العقلية المتخذة كنظام لغوي صوري. وإن هذه المصادرة التي ستؤدي إلى دمج الفكر في نظام التمثلات الرمزية ومظاهرها هي التي ستسمح للعملية المعرفية بفرض نفسها كعملية لترجمة سلاسل من الرموز أو اللغات ذات المستوى المرتفع إلى سلاسل أخرى ذات مستوى منخفض. ففعل “عرف” يصبح في نهاية المطاف عبارة عن تحويل الموضوعات والأشياء إلى وحداتها وعناصرها.

أما الأنموذج الاقتراني ومهما حاولنا تخصيصه فإنه ينتظم حول المعرفية المنظور إليها كانبناء وكتعلم وكاكتساب للمعارف. فالمعرفي في هذا الأنموذج يتعلق بالتفاعل العضوي لأي جسم مع محيطه، والمفروض أن يبلغ هذا التفاعل أوجه عند الإنسان في علاقته باللغات؛ وبالتالي فإن هذا ما يؤكد على أن العلوم المعرفية تنفتح على العلوم العصبية وأن مفهوم المعرفة في حد ذاته يتمدد ويتسع على النحو التالي (Rastier، 1991: 38-39):

  • – إن المعارف لا تتحدد كتمثلات.
  • – إن المعارف لا تكون بالضرورة واعية أو سهلة المنال. فالدماغ لا يختصر إلى قشرة الدماغ le cortex والجهاز العصبي لا يختصر إلى الدماغ.
  • – إن المعارف ليست أساسا من طبيعة رمزية ولا تكون بالضرورة تصورية، وبالتالي لا يمكن للعلوم المعرفية أن تقتصر في وصفها لمختلف العمليات على الرموز فحسب.
  • إذن في حين أن المعرفانية الأرثودوكسية تفضل البحث في الاستدلال وفي مختلف العمليات المتعلقة بالرموز، فإن الاقترانية تتمسك أساسا بمشكل الإدراك (البيولوجي أو الاصطناعي) لتولي الأهمية القصوى للسياق غير اللساني الذي هو في الأصل سياق زماني ومكاني وقصدي. فكل إدراك لظاهرة معينة يتوقف بشكل واسع على محيطها المكاني وحيزها الزماني وعواملها النفسجسدية المرتبطة بالفرد المدرك. وهذا ما يؤكد على أن الأنطولوجية التلقائية للاقترانية هي أنطولوجية فيزياءانية physiciste عوض أن تكون منطقانية logiciste، بحيث أن الموضوع لا يشكل كيانا خفيا له هويته المطابقة لنفسها بل إنه يمثل خاصية تمتد وتنتشر على مساحة قابلة لأن تتغير فيها أساليب الإدراك والحجز بشكل نهائي.

 

إذا كان البراديغم paradigme يشير في الأدبيات الإبستمولوجية وخاصة الأنجلوسكسونية منها إلى إشكالية علمية فإننا لن نعمل على تكرار رأي Kuhn بهذا الخصوص، حيث يعرفه بخمس كيفيات متنوعة. وهذا ما أضفى عليه نوعا من الغموض، يكفينا أن نشير هنا إلى أن الأمر يتعلق، وكما هو مألوف، ببراديغمين متعارضين نجد تفاصيل كافية عنهما في كل من Andler، 1986؛ Winograd وFlorès 1986؛ Fodor وPylyshyn، 1988؛ وأخيرا Vergnaud، 1991.

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: