بحث عن منافع الصداقة

قسم: أبحاث علمية » بحث عن منافع الصداقة » بواسطة عبد الرحمن - 5 أبريل 2018

منافع الصداقة

قضت مشيئة الله وسننه في خلقه أن تكون الصداقة من أكبر الظواهر الاجتماعية وأعظمها أثرا في رعاية الطفولة ونماء المراهقة والارتقاء الأخلاقي ودولاب الحياة مستمر غير مستقر لا يعرف التوقف أبدا وهو أسرع من أنفاسنا. والصداقة من أوجب أمور التعايش لأنها توجد التكامل بين متطلبات الفرد وحاجيات المجتمع لا سيما ونحن نعيش في عصر يشهد مفارقات حادة من أهمها التخلف الأخلاقي والتراجع القيمي، مع تصاعد مشكلات الصراع بين جيل الكبار وجيل الصغار في زمن المدنية الحديثة وتمايز الشرق عن الغرب. إن إغلاق الفجوة بين الجيلين عبر توثيق العلاقات بينهما ينقلنا نحو حياة أوثق وأرحب؛ عامرة بمشاعر الحنان والحب والوفاق. يشهد العصر الحديث تفوقا ماديا مرموقا وقفزات تكنولوجية مذهلة بينما الوضع الاجتماعي والنفسي آخذ بالتردي في بعض المجالات التطبيقية.

أشار السلمي في كتابه آداب الصحبة إلى فضل الصحبة الصالحة فقال في مقدمة كتابه “الحمد لله الذي أكرم خواص عباده بالألفة في الدين، ورزقهم الشفقة علي المؤمنين، وزينهم بالأخلاق الكريمة، والشيم المرضية، وهداهم إلي آداب صحبة الإخوان، وعراهم من الأدناس والأخلاق الدنية. فالألفة أوجبت الأخوة، والأخوة أوجبت حسن العشرة وكريم الصحبة. وأعلم أن آداب الصحبة وحسن العشرة علي وجوه، ولكل قوم فِي ذلك وجوه من آداب الصحبة، وحسن العشرة. وعلي المؤمن أن يحفظ لكل مُسْلِم حق إخوته، وحسن صحبته وعشرته. الْمُسْلِمُونَ جَسَدٌ وَاحِدٌ فمن ذلك أن يعلم أن المسلمين كالجسد الواحد، وأن علي بعضهم أن يعين البعض علي الخيرات، ويدفع عَنْهُ المكاره (باختصار) .

والصديق من منظور أرسطو هو من يعيش معك والذي يتحد وإياك في الأذواق والذي تسره مسراتك وتحزنه أحزانك وبذلك تقوم الصداقة على المعاشرة والتشابه والمشاركة الوجدانية والصداقة. والصداقة في هذا السياق إحدى الحاجات الضرورية للحياة لأنه لا يقدر أن يعيش أحد بلا أصدقاء مهما توفرت له الخيرات، فالأصدقاء هم الملاذ الذي نلجأ إليه وقت الشدة والضيق والصداقة ضرورية للشاب لأنها تمده بالنصائح وهي مهمة للشيخ تعينه حيث يتقدم العمر ويضعف البدن . يعقد أرسطو مقارنة لطيفة بين العدل والصداقة فيقول “متى أحب الناس بعضهم البعض لم تعد حاجة إلى العدل غير أنهم مهما عدلوا فإنهم لا غنى لهم عن الصداقة، وإن أعدل ما وجد في الدنيا بلا جدال هو العدل الذي يستمد من العطف والمحبة” (أبو سريع، 1993م، ص 19). ولا شك أن العدالة قيمة إنسانية كبرى فبالقسط تستقيم الدنيا وتقوم مصالح العباد. قال تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} (الحديد: 25).

سن الإسلام سننا كفيلة بحماية المشاعر من الخدش والتجريح فطالب بتنزيه المجالس من الاضطراب لئلا تنتشر الأحقاد. ولحماية الصحبة من الأضرار وضع الإسلام ضوابط محكمة وحدد محظورات الصحبة منها عدم إيذاء مشاعر الصاحب عبر التناجي فلا يتكلم الصديق سراً مع صاحبه ويترك صاحبه الثالث صامتا لا يدري عما يتحدثان فإن ذلك يؤذيه ويحزنه فتفسد الصلات بين الأصحاب وتسوء النيات. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى رَجُلَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ أَجْلَ أَنْ يُحْزِنَهُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وفي رواية “إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما”( الحافظ الهيثمي، مجمع الزوائد). بالصداقة نشعر بإنسانيتنا ونرطب الأجواء من حولنا ونجعل أسرنا تنعم ببركات الصداقة وتسيح معانيها الجميلة في جنبات مجتمعنا.

قال الشاعر:

لا شَيْءَ فِي الدُّنْيـا أَحَـبُّ لِنَاظِـرِي          مِـنْ مَنْظَـرِ الخِـلاَّنِ والأَصْحَـابِ

وأَلَـذُّ مُوسِيقَـى تَسُـرُّ مَسَامِعِـي           صَوْتُ البَشِيـرِ بِعَـوْدَةِ الأَحْبَـابِ

الصداقة الحقة تجعلنا نشعر بإنسانيتنا. “إنسانية أي شخص ومروءته وشهامته تكون واردة بدرجة قربه من أصدقائه وأحبائه وبدرجة استمرارية هذا القرب. والإنسان الناضج والكامل هو الشخص الذي يعد أكبر معروف يسديه للآخرين شيئاً ضئيلاً، وأصغر معروف يُسدى إليه شيئاً كبيراً. مثل هذا الشخص يكون قد سما إلى الخلق الإلهي ووصل إلى الاطمئنان القلبي. مثل هذا الشخص لا يمن بإحسانه ومعروفه أبداً، ولا يشكو من الإهمال وعدم الاهتمام الذي قد يتعرض له” (كولن، 2011م).

أدرك سلفنا الصالح قيمة الصداقة بكافة دوائرها وأشاروا في الحديث عن وظائفها وشروطها وحقوقها ومنافعها. جاء عن علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين حضرته الوفاة: يا بني إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك وإن قعدت بك مؤنة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدّها وإن رأى منك حسنة عدّها وإن رأى سيئة سدّها، اصحب من إذا سألته أعطاك وإن سكت ابتداك وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدّق قولك وإن حاولتما أمراً أمرك وإن تنازعتما آثرك. وقال بعض الأدباء: لا تصحب من الناس إلا من يكتم سرك ويستر عيبك فيكون معك في النوائب ويؤثرك بالرغائب وينشر حسنتك ويطوي سيئتك فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك.

في القرن التاسع عشر ذهب الشاعر والفيلسوف الأمريكي (Henry David Thoreau) في قصيدته عن الصداقة (Friendship) إلى أن الحب بالنسبة له عالم قد لا نتحدث عنه مع الأصدقاء لكننا نمارسه معهم ونحب الحقيقة والخير، والحب قوة لا تقاوم تحرك الأرواح وتصل الأعماق. الصديقان مثل أشجار السنديان في القوة حيث تعيش جنبا إلى جنب وتصمد أمام عواصف الشتاء، وعلى الرغم التحديات تكبر وتعمر بفخر نظرا لقوتها وتشابك جذورها. ربط الشاعر بين الصداقة والحب وجمال الطبيعة وحب الخير والصمود أمام المصاعب وهذه أعظم منافع الصداقة.

يعتقد بعض الشعراء والفلاسفة بتوحد المشاعر ويؤمنون أن الصديقين يمكن أن يصبحا شخصا واحدا: “نحنُ رُوحان حَلَلنا بَدَنا” من فرط المحبة وشدة الصداقة وانصهار كل صاحب بالآخر. وهذا تعبير شائك قلق الإيمان “بالحلول والاتحاد” لا يسلم من الانتقاد. والخصوصية مطلوبة في عالم الصداقة والمحبة والقرابة أيضا فلكل شخص استقلاليته مهما تشابهت وتشابكت المشاعر فالصداقة الحقة تمضي بالفرد خطوات للأمام وتفسح مجالا رحباً للاختلاف والائتلاف.

فضلهما عظيم وبرهما نعيم

أرشدنا الحق جل ثناؤه نحو مسلك في غاية اللطف في التعامل الراقي مع الوالدين مهما كان دينهما ومهما ساء فعلهما فقال المولى عز شأنه “وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا” (لقمان، 12) فسبحان الذي شملت رحمته كل شيء، ووسعت حكمته كل أمر. إن الإحساس بالصحبة والسعي نحو الإحسان في مسالكها بحاجة إلى خمسة أمور؛ إخلاص، وبصيرة، ودربة، وصبر، ورحمة. إذا كان الأبوان يقومان بتهديد الابنة ويجاهدان في ذلك – لا سمح الله – فالإسلام يأمرنا بالصبر على صلتهما والإحسان في رعايتهما والبر في رحلة الحياة فكيف بالأم المؤمنة الصالحة فإن حقها أعظم؟ إنه دين سلام ومحبة ورحمة وحكمة، إنه الإسلام العظيم الرحيم الكريم، إنه دين يجتث الكراهية من جذورها بضياء الحكمة، ويبث في الوجود معاني النور والسرور والرحمة. إنه الإسلام الذي أشار في تعاليمه إلى صلة الأبوين الكافرين ليشيع في المجتمع مكارم الأخلاق وليفتح للفكر آفاقا واسعة تعين على تحسين نوعية المعيشة الإنسانية، وإثراء مسيرتها المستنيرة. ومن جهة أخرى فالبر بالوالدين طاعة لرب العالمين والله يجزي عباده خير الجزاء في الدنيا قبل الآخرة. عندما يفتح الطفل عينيه ويجد والدته قدوته تجتهد في طاعة والدتها يكون قد أخذ درسا ملموسا يساعده في حب هذه الفريضة العظيمة.

قال الشعراوي في تفسيره “وتأمل عظمة الأسلوب في قوله (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) [لقمان: 15] فلم يقل مثلاً أعطهم معروفاً، إنما جعل المعروف مصاحبة تقتضي متابعتهما وتفقُّد شأنهما، بحيث يعرف الابن حاجة أبويْه، ويعطيهما قبل أنْ يسألا، فلا يلجئهما إلى ذُلِّ السؤال، وهذا في ذاته إحسان آخر” (تفسير الشعرواي، 2011م). البنات هن الأكثر برا بآبائهن في الكبر والمرأة أقدر على تغيير وإصلاح أفراد الأسرة (القشعان، 2011م، ص 49، 179، 114).

ولقد أدركت البشرية أن الإنسان القائد هو نتاج لتربية الأمهات وكما قال نابليون بونابرت أنى مدين لأمي يكل ما نلته من الفخار. الأم شمعة مقدسة تضئ ليل الحياة بتواضع ورقة، وليس في العالم وسادة أنعم من حضن أمي على حد تعبير شكسبير. قال جون كوبنسي آدمز الرئيس السادس للولايات المتحدة الأمريكية: كل ما في كياني من صنع أمي ولأمي الفضل في كل ما أدركته …. وعلى نهجه  إبراهام لنكولن الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية إذ يقول :إني مدين بكل ما وصلت إليه وما أرجو أن أصل إليه من الرفعة إلى أمي الحنون. وجاء في سيرة ڤكتور هوغو Victor Hugo الأديب الفرنسي أنه ڤكتور هوغو Victor Hugo من أبرز الأدباء الفرنسيين كان مولعاً جداً بوالدته، حيث أخذ عنها شغفه بالقراءة وحرية التفكير. كان مولعاً جداً بوالدته، فقد أورد في مذكراته أنه تلقى منها شغفه بالقراءة وحرية التفكير. قال الشاعر معروف الرصافي :

ولم أر للخلائق من محلِّ
فحضْن الأمّ مدرسة تسامتْ
وأخلاقُ الوليدِ تقاسُ حُسناً
  يُهذِّبها كحِضن الأمهات
بتربية البنين أو البنات
بأخلاق النساء الوالدات

ولقد استجاب الإسلام للفطرة السليمة ورسخ بكل قوته وكامل سلطانه حب الأم في الضمائر وجعل حب الأم والإحسان إليها من جميل المشاعر وعظيم الشعائر في كل تضاعيف الشريعة فقال تعالى {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} (الإسراء: 23). قال سيد قطب (2008م) “بهذه العبارات الندية، والصور الموحية، يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء. ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام. إلى الذرية. إلى الناشئة الجديدة. إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء. إلى الأبوة. إلى الحياة المولية. إلى الجيل الذاهب! ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف، وتتلفت إلى الآباء والأمهات. إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد. إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات. وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر؛ كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية – إن أمهلهما الأجل – وهما مع ذلك سعيدان! فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله، ويندفعون بدورهم إلى الأمام. إلى الزوجات والذرية.. وهكذا تندفع الحياة. ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء. إنما يحتاج هؤلاء [الشباب] إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف!” (ج4، ص 2221).

   قال عبدالله بن عباس إني لا أعلم عملا أقرب إلى الله من بر الوالدة. وقال رجل: قال لي ابن عمر أتفرق [أتخاف] من النار وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت إي والله. قال: أحي والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فوالله لو ألنت لها الكلام وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الكبائر (رواه البخاري في الأدب المفرد). قال الرازي في تفسيره “وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه: أحدها: أن الولد قطعة من الوالدين، قال عليه السلام: “فاطمة بضعة مني” وثانيها: أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي، ومتى كانت الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان”.

جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ؟ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أُمُّكَ؟ قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ” (رواه البخاري). وفي تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور رؤية تربوية عميقة للفلسفة التربوية في الإسلام ومقاصدها الناصعة في بر الوالدين إذ تتمحور حول أمرين؛ مقاصد تربوية، ومقاصد عمرانية. قال ابن عاشور “ومقصد الإسلام من الأمر ببر الوالدين وبصلة الرحم ينحل إلى مقصدين:

أحدهما: نفساني وهو تربية نفوس الأمة على الاعتراف بالجميل لصانعه، وهو الشكر، تخلقاً بأخلاق الباري تعالى في اسمه الشكور، فكما أمر بشكر الله على نعمة الخلق والرزق أمر بشكر الوالدين على نعمة الإيجاد الصوري ونعمة التربية والرحمة. وفي الأمر بشكر الفضائل تنويه بها وتنبيه على المنافسة في إسدائها.

والمقصد الثاني عمراني، وهو أن تكون أواصر العائلة قوية العُرى مشدودة الوثوق فأمر بما يحقق ذلك الوثوق بين أفراد العائلة، وهو حسن المعاشرة ليربي في نفوسهم من التحاب والتواد ما يقوم مقام عاطفة الأمومة الغريزية في الأم، ثم عاطفة الأبوة المنبعثة عن إحساسٍ بعضه غريزي ضعيف وبعضه عقلي قوي حتى أن أثر ذلك الإحساس ليساوي بمجموعه أثر عاطفة الأم الغريزية أو يفوقها في حالة كبر الابن. ثم وزع الإسلام ما دعا إليه من ذلك بين بقية مراتب القرابة على حسب الدنو في القرب النسبي بما شرعه من صلة الرحم، وقد عزز الله قابلية الانسياق إلى تلك الشرعة في النفوس. وفي هذا التكوين لأواصر القرابة صلاح عظيم للأمة تظهر آثاره في مواساة بعضهم بعضاً، وفي اتحاد بعضهم مع بعض” (باختصار).

وإنْ كانت الوصية القرآنية بالوالدين معروفة كما يقول الشعراوي ألا أن حيثيات الوصية خاصة بالأم {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: 14] فلم يذكر شيئاً عن دور الأب، لماذا؟ قالوا: لأن الكلام هنا كلام رب، وما عليك إلا أنْ تُعمِل فيه فكرك وقلبك لتصل إلى دقائقه. الله تعالى يُذكِّرنا هنا بدور الأم خاصة، لأنها تصنع لك وأنت صغير لا تدرك صُنْعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما أفعال الأب وصنعه لك فجاء حال كِبَرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدَّم أبوه من أجله. فكأن أفعال الأب وُجِدت حين تم تكوين العمر العقلي الواعي، ففهم الابن ما فعل أبوه، وكثيراً ما سمع الابن: أبوك ذهب إلى كذا، أبوك أحضر لك كذا، وهذا الأمر عندما يأتي أبوك…الخ، فدوْر الأب ظاهر على خلاف دور الأم؛ لذلك ذكره الحق – تبارك وتعالى – هنا {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ} [لقمان: 14].

لا ريب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا في تربيتنا القويمة، وصدق المولى سبحانه {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 151). وتحتفظ لنا كتب الحديث النبوي الشريف –وهي مفخرة الأمة المسلمة- بحادثة صغيرة ولكنها عظيمة الأثر فعندما جاءت حليمة السعدية مرضعة النبي صلى الله عليه وسلّم إليه وهو منهمك في تقسيم اللحوم فقام إليها وبسط لها رداءه فجلست عليه تعظيماً لها وانبساطاً بها. ورد في سنن أبي داود وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم عن عُمَارَة بنُ ثَوْبَانَ أَنّ أَبَا الطّفَيْلِ أخْبَرَهُ قالَ: “رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقْسِمُ لَحْماً بالْجِعِرّانَةِ [موضع معروف على مرحلة من مكة أقام به رسول الله صلى الله عليه وسلّم بضعة عشر يوماً لتقسيم غنائم حنين واعتمر منها]. قالَ أَبُو الطّفَيْلِ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلاَمٌ أَحْمِلُ عَظْمَ الْجَزُورِ [الجزور البعير ذكراً كان أو أنثى] إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتّى دَنَتْ إِلَى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فَبَسَطَ لَها رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هِيَ؟ فقالُوا: هَذِهِ أُمّهُ الّتي أَرْضَعَتْهُ”. قال النووي في كتابه المجموع شرح المهذب فالمرضعة بمنزلة الأم.

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *