بحث عن التعاون كامل بالعناصر

قسم: مضمون » أبحاث علمية » بحث عن التعاون كامل بالعناصر » بواسطة محمود الاسوانى - 8 أبريل 2018

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على أشرف الأنبيــاء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..

لقد اهتم الإسلام ببناء الفرد المسلم باعتباره اللبنة الأساسية في البناء الإسلامي , فرباه على الكرامة والعزة والأخلاق الفاضلة والارتباط بجماعة المسلمين , فترابط المجتمع يعطيه القوة والصلابة والمنعة ,  لذا فقد دعانا الإسلام إلى التماسك والالتفاف والتعاون – قال تعالى:” وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ” المائدة آية 2

أمر الله تعالى في هذه الآية بالتعاون على البر والتقوى الذي يتناول المؤازرة في كل عمل ينتج عنه الخير وفيه سعادة الفرد في الدنيا والآخرة .

وإذا تمعـنّا في الآية أكثر نرى أن الدعوة إلى التعاون لم يكن على البر والتقوى فقط بل تعدّاه إلى التحذير من التعاون على معصية أو الإضرار بالآخرين.

معنى التعاون

هو مساعدة الناس بعضهم بعضاً في الحاجات وفعل الخيرات , إذ لايمكن أن يقوم الفرد بكل أعباء الحياة منفرداً، فالتعاون من ضروريات الحياة.

المؤمنون أخوة

دعا الإسلام إلى التعاون , ورغب الناس فيه , حرصاً على ترابط المسلمين وتماسك وحدتهم  فقال تعالى: “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى“المائدة آية 2

وقال: ” وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ “آل عمران آية  103

وقال – صلى الله عليه وسلم -:( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه , ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته , ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة , ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) رواه البخاري

وقد فهم المسلمون معنى التعاون منذ أن بدأ النبي – صلى الله عليه وسلم – دعوته في مكة , فتعاونوا في نشر الإسلام , وبفضل تعاونهم دخلت أفراد جديدة إلى الإسلام .

وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – المثل الأعلى في التعاون , سواء أكــان داخل بيته أو مع أصحابه , فهو متعاون في كل أحواله , فيساعد أهله ويعاونهم في شؤون المنزل , ويتعاون مع أصحابه في القيام بالكثير من الأعمال بهمـّة ونشــاط.

فقد كان أول عمل قام به – صلى الله عليه وسلم – حينما هاجر إلى المدينة , بناء المسجد , فتعاون الصحابة مع رسول الله حتى هيئوا المكان وأحضروا الحجارة والنخيل التي تمّ بها بناء المسجد,  فكانوا يداً واحدةَ حتّى  تمّ لهم البناء.

نماذج على التعاون

بنــــيــــتي …. هل شاهدتِ مسجـداً عظيم البناء , واسع الأرجاء , له مئذنةً عالية الارتفاع , وقباب جميلة ؟ وسـألتِ نفسك: من قام على بناء هذا المسجد ؟

هل يمكن أن يقوم بذلك فرد واحد , أم قام به أفراد كثيرون , تعاونوا فيما بينهم حتّى ظهر هذا البناء؟

وهل تأملتِ في حياتنا اليومية إلى أبسط السلع التي نستخدمها كل يوم كيف أنتجت؟ هل قام بها فرد واحد, أم قام بها أفراد كثيرون؟

فمثلاً رغيف الخبز الذي نأكله مرّ بين أيدي أفراد تعاونوا فيما بينهم , فالزارع نثر البذور وتعهّدها حتّى حصادها, والطاحن قام بطحنها حتى صارت صالحة للخبز , والخبــاز خبزها حتى أصبحت جاهزة للأكل.

إنهم تعاونوا وأدى كلٌ عمله , ولولا تعاونهم لما وصل رغيف الخبز إلينا .

فالإنسان لا يمكن أن يعيش إلا متعاوناً مع غيره , فكلٌ منـّـا يحتاج الآخر , فنحتاج للطبيب والمعلم والمهندس والصانع والخباز والطيار  ……….

ولا يوجد إنسان يجيد كلّ تلك الأعمال , فكلّ صاحب مهنة محتاج إلى غيره.

وقد بيــّن حكيم لأولاده هذا المعنى عند وفاته ليلقنهــم درسـاً في التعاون , فقدّم إليهم حزمةً من العصي قد اجتمعت عيدانها , فعجزوا عن كسرها , فلما انفك الرباط وتفرقت الأعواد كسرت واحداً واحداً .

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً         وإذا افترقن تكسرت آحاداً

إننا لا يمكن أن نتصور حياة بلا تعاون …

فالتعاون فطرة جعلها الله في جميع مخلوقاته ولم يقصرها على بني الإنسان حتى أصغرها حجمـاً  كالنحل والنمل.

فالنحل –مثلاً- يعمل بدقة عجيبة يعجز عنها العقل المفكر , فتتعاون مع بعضه البعض في بناء الخلايا , وإفراز العسل , فتقتسم العمل المنظم بينها لتبني بيوتاً هندسية بدقة متناهية.

أما النمل فهو صغير في حجمه , لكنه  عظيم الحيلة في طلب الرزق , فإذا ما وجد طعاماً أنذر رفاقه حتى تأتي إليه , فيتعاونون جميعاً في جمعه ليدّخروا منه ما يكفيهم لفصل الشتاء.

إن هذه الكائنات الصغيرة لتبين مدى التعاون والتكاتف فيما بينها فهي تتحد معاً في جمع الطعام , وفي صد أي عدوان قد تتعرض إليه.

بنـيــــــتي …. الإنسان أولى بالتعاون لما ميزه الله من نعمة العقل والفكر , فحريٌ بنا أن نتعاون بأن نكون يداً واحدةً في أي عمل يعود علينا بالخير والفائــــدة , وأن نلجــــأ إلى الله لنطلــــب منه النصر والمعونـة في جميع شؤوننا قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (5) سورة الفاتحة .

حتى نكون مثل ما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -): المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ثم شبك بين أصابعه) رواه البخاري.

مظاهر التعاون

عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال:(أن رجلاً جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم – فقال: يارسول الله , أي الناس أحب إلى الله تعالى؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :  (( أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس , وأحب الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم , أو تكشف عنه كربة , أو تقضي عنه ديناً , أو تطرد عنه جوعاً ,  ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد )) ويعني مسجد المدينة شهراً . ينظر إلى صحيح الجامع الصغير للألباني.

بـــنــــيــــتي … إن التعاون الذي حث عليه رسولك الكريم في هذا الحديث ليس قصراً على الكبير.. فالمرء يقدم خدماته على قدر طاقته , وكل مجهود منه مهما كان صغيراً يكون نافعاً ومفيداً.

إليك بنيتي بعض الصور التي يمكن أن تقومين بها حتى تكوني متعاونة:

  • مساعدة والدتك في أعمال المنزل: ـ

فقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنموذجاً يحتذى به في عونه لأهله , فقد كان يحلب الشاة , ويحمل بضاعته من السوق , ويقم البيت ,  ويعجن مع أهله , وهو الرسول المصطفى لم يمنعه ذلك من معاونة أهله.

فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت:( كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة) رواه البخاري

  • معاونــة الخــدم: ـ

فإن معونتك لهم ولو باليسير لا يكلفك شيء , بل يزيدك رفعة وأجراً , فقد حث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على معاونتهم فقال:( ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم) متفق عليه

وتكون إعانتهم في الأعمال التي تستطيعين القيام بها كترتيب غرفتك و الأشياء الخاصـــــة بك ، فمن الواجب علينا احترامهم ورحمتهم ، فلولا الحاجة لما جاؤوا إلينا.

  • مساعدة زميلاتك في المدرسة: ـ

فقد تحتاج إحداهن لشرح درس صعُب عليها فهمه أو إسداء النصح لها عندما ترتكب خطأً ما , أو إعانتها على حمل حقيبة أثقلت كاهلها ….

فأنت قادرة لا محالة على إعانتها ولكن دون تشهير أو إتباعه بالمن والأذى.

وكما قال – صلى الله عليه وسلم -:( ومن كان في حاجة أخيه , كان الله في حاجتــــــه) متفق عليه.

وكما قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ) رواه مسلم

  • مساعدة كبار السن والمعاقين وعدم السخرية منهم: ـ

بنيـتــــي … عندما ترين امرأة كبيرة في السن أو معاقة فعليك مساعدتها فلا تحرمي نفسك من دعواتها . “ليس منّا من لم يوقر كبيرنا”وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم 🙁 ليس منّا من لم يُجلَّ كبيرنا) صحيح الجامع للألباني.

  • تلمس حاجات الضعيف والتفريج عنه وإعانته على قضائها: ـ

كمســاعدة المحتاج في إسداء خدمة له أو تقديم صدقة وحتى وإن كانت قليلة فقد كان –صلى الله عليه وسلم – يحب إعانة المسلمين , ويسعى في قضاء حاجاتهم , ولهذا وصفته خديجة – رضي الله عنها – بعد نزول الوحي بـأنه يعين على نوائب الحق , وهي من أشرف الخصال وأجلها.

قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-:( ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ) متفق عليه.

بنــــيـــــتي … إن من التعاون أن يسعى المؤمن في خدمة إخوانه , فيفعل مافيه نفعهم وسعادتهم, ويزيل ما يؤذيهم ويضيق عليهم , ولذا فإن إماطة الأذى عن الطريق تعاون يحبه الله ويشكر لصاحبه صنيعه.كما في الحديث  قال صلى الله عليه وسلم : (… وتميط الأذى عن الطريق صدقة) رواه البخاري.

كما أن من التعاون – أيضـاً – إحساس المرء بالآخرين وشعوره بآلامهم و أفراحهم ومشاركته لهم فيـــها , فإن هذا الإحساس مثاب عليه ولو كان بالبهائم , فإعانته لها في مأكلها ومشربها له فيه أجر.

ثمـــــرات التعاون

  • إنه طريق موصل إلى محبة الله ورضاه وجنته.
  • ازدياد الروابط الأخوية فهو من أهم أسباب الألفة والمحبـة بين الناس.
  • حين يتعاون المسلم مع أخيه يزيد جهدهما , فيصلا إلى الغرض بسرعة وإتقان لأن  التعاون يوفر الوقت والجهد, وقد قال  -صلى الله عليه وسلم –  ( يد الله مع الجماعة) رواه الترمذي

وقد قيل في الحكمة: المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.

  • المتعاونون تصعب هزيمتهم , مثلهم مثل العصا يمكن كسرها إن كانت واحدة , ويصعب كسر مجموعة من العصي المترابطة.
  • القضاء على الأنانية وحب الذات , حيث يقدم كل إنسان ما عنده ويبذل للآخر عن حب وإيمـــان.
  • هو أساس التقدم والإنتاج والنجاح والتفوق.
  • ثمرة من ثمرات الإيمان , فضلا عن كونه حاجة ملحّـة للإنسان.
  • دليل حبّ الخير للآخرين.

 

وأخيراً فالتعاون مطلوب من الجميع , أفراداً وجماعات , في البيت , في السوق , وفي المسجد , وفي المصنع , وفي الحقل , وفي الحرب , وفي السلم , وفي كل ميادين العمل.

ولابد من المحبة والإخاء لدوام التعاون بين المسلمين , فالنفس البشرية لا تأنس إلا بمن تحب , لذلك رغب النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته أن تتعارف فيما بينها , وأن يزور بعضها بعضاً , ووضع حقوقاً للمسلم بأدائها والمحافظة عليها تدخل المودة إلى قلوبهم , فزيارة المريض إذا مرض , وتشميت العاطس إذا عطس , ورد السلام على من عرفت ومن لم تعرف , ومشاركتهم أفراحهم , والشعور معهم في مصائبهم وأحزانهم , كل ذلك قواعد متينة لبقاء المودة بين المسلمين واستمراريتها , وهي سبب مباشر لتعاونهم مع بعضهم البعض.

فعن النعمان بن البشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) متفق عليه.

عندها يكون المجتمع المسلم قوياً سليماً ليتعاون أبنــاؤه فيما بينهم ويتحابون في الله , وينصر قويهم ضعيفهم وبذلك يحقق الله لنا ما وعدنا في كتابه وسنة رسوله .

نسأل الله أن يعيننا على ذلك وهو القادر عليه

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *