بحث عن أنواع الصداقة

قسم: مضمون » أبحاث علمية » بحث عن أنواع الصداقة » بواسطة عبد الرحمن - 5 أبريل 2018

ما هي انواع الصداقة

المرءُ غنيٌّ بأصدقائه والحسابات الجيِّدة تصنع أصدقاء أحبَّاء، هكذا تتواتر الأمثلة العالمية لتبين النوعية الجيدة للصديق. يتسع مفهوم الصداقة اليوم ليشمل مجالات عدة متفرعة؛ صديق العائلة، وصداقة النفس، وصداقة الأهل، وصداقة البيئة، وصداقة الدول والأمم والحضارات، وصداقة الحاكم، وصداقة الإنترنت، بل حتى النيران قالوا عنها نيران صديقة وهو تعبير عصري يطلق على قتل الجنود برصاص زملائهم بطريق الخطأ. تتضمن الصداقة الخصبة قدرا كبيرا من التقارب يتفاوت بين الأشخاص حسب قدراتهم ومهما يكن الأمر فالصداقة بطبيعتها تطرد الحياة الباهتة بين الأقرباء وتستقطب الحيوية في العلاقات الأسرية وتوجهها بقوة نحو الحركة والتقدم والارتفاع. علاوة على ذلك تضيف الصداقة لحياة البشر معاني الاعتبار والاختيار ومدلولات الحرية والمودة والعزيمة والتجديد والمبادرة والمسئولية. الصداقة الأسرية نوع من أنواع الانسجام والاتفاق والترابط تعين المرء على تجاوز الصعاب والعراقيل، وإن تعزيز أواصرها مسئولية تربوية مشتركة يجب أن تحظى باهتمام الجميع في المجتمع وهي معادلة صعبة ولكنها ممكنة. هذا النوع الخاص من الصداقة في نطاق الأسرة لا يلغي الصداقات الاجتماعية الأخرى وليس بديلا عنها أبدا. إن تقويض أركان النظام الأسري أو إلغاء الأسرة أو إهمال روابط الرحم خط أحمر لا يقبل به عاقل ولا ينادي به إلا جاهل.

إن الصداقة إنما هي حد وسط بين خلقين فالصديق هو الشخص الذي يعرف كيف يكون مقبولا من الآخرين كما ينبغي على حد قول أرسطو. مقبولا لدى الجميع إلى الدرجة التي تجعله لا يعارض في أي شيء حتى لا يسيء إلى الآخرين فهو المساير وذلك إن كان يفعل هذا بدون سعي إلى منفعة شخصية وإنما لولعه بالإرضاء أما إن كان يهدف من مسايرته إلى مصلحة شخصية فهو المتملق وعلى الضد يصف أرسطو الشخص الذي لا يكترث بالقبول من جانب الآخرين بأنه الشرس والعسر والمشاغب والصعب في المعيشة ولا يحبذ أرسطو إلا الوضع الوسط ويرى أن هذا الوضع يشبه الصداقة ويعلل بأننا أكثر استعدادا لقبول الشخص الذي ينتمي إلى هذا الوضع  كصديق لنا إذا جمع إلى رغبته في التقبل الشعور بالميل إلينا. الصداقة هي عطف متبادل بين شخصين حيث يريد كل منهما الخير للآخر مع العلم بتلك المشاعر المتبادلة فيما بينهما (أبو سريع، 1993م، ص 18).

قسم أرسطو الصداقة إلى ثلاثة أنواع:

  1. صداقة المنفعة تقوم على المصلحة وتنتهي بانتهائها.
  2. صداقة اللذة وهي قصيرة ترتبط بإشباع لذة الحديث والقرب والأنس بالناس ويمكن أن تندرج في خانة صداقة المنفعة.
  3. وصداقة الفضيلة هي علاقة وثيقة وتبادلية وهي أفضل نقاءً وبقاءً من سائر أنواع الصداقات لأن فيها الفضيلة والمصلحة واللذة.

قال ابن سيدة في كتابه المخصص صادَقته مصادقة وصِداقاً والاسم الصّداقة وهو الصّديق والجمع أصدقاء وقد يكون الصّديق واحداً وجمعاً.  وأشار التوحيدي إلى أن الصداقة والصديق يكون واحداً وجمعاً ومذكراً ومؤنثاً. قال اللـه تعالى {أَوْ صَدِيقِكُمْ} (النور: 61)، فأخرجه مخرج الواحد، وهو يريد الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. إنما سمي الصديق صديقاً بصدقه لك، وسمي العدو عدواً لعدوه عليك لو ظفر بك (التوحيدي، 2007م، ص ، باختصار، 355). ومن روائع الآية السابقة أن الله عز وجل قرن الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة، لأن قرب المودة لَصِيق كما قال القرطبي في تفسيره. وعن جعفر الصادق: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وترك الحشمة بمنزلة النفس والأب والابن والأخ.

قال سلمان العودة “ذكر سبحانه الصديق فقال: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} (النور: 61)، فجَعَلَ الصَّدِيقَ مع الأقارب، وفي هذا نَوْعٌ من تقريب الصديق، ولذلك ذكرت بعض المذاهب الفقهية-كبعض الأحناف والمالكية- أن الصداقة والخُلَّة إذا استحكمت فكانت قوية، فإن شهادة الصديق لصديقه لا تُقْبَلُ؛ لأنه أصبح كأنه جزء منه، واللطيف هنا أن القرآن العظيم جَمَعَ الصَّدَاقَةَ مع القرابة؛ لأن القرابة عبارةٌ عن لُحْمَةٍ مُسْتَمِرَّة، وليست طارئة، وهذا قَدْرٌ من الصداقة المتناهية”.

أدرك السابقون تنوع الأصدقاء فقالوا الإِخوان ثلاثة: أخ لآخرتك، وأخ لدنياك، وأخ لتأنس به. وقد قال المأمون: الإِخوان ثلاثة: أحدهم مثله مثل الغذاء لا يستغنى عنه، والآخر مثله مثل الدواء يحتاج إليه في وقت دون وقت، والثالث مثله مثل الداء لا يحتاج إليه قط، ولكن العبد قد يبتلي به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع. وقد قيل: مثل جملة الناس كمثل الشجر والنبات، فمنها ما له ظل وليس له ثمر وهو مثل الذي ينتفع به في الدنيا دون الآخرة فإن نفع الدنيا كالظل السريع الزوال، ومنها ما له ثمر وليس له ظل وهو مثل الذي يصلح للآخرة دون الدنيا، ومنها ما له ثمر وظل جميعاً، ومنها ما ليس له واحد منهما.

لا يمكن حصر أنواع الصداقات ولكن يمكن الحديث عن بعض أنواعها فهناك الصداقة العابرة وهناك الصداقة المبنية على المنفعة المؤقتة والمصلحة الآنية. وهناك الصداقة المخلصة الحقيقية تصون الحياة وتعطيها طعما حلو المذاق. وإن اللبيب يتجنب الصداقة المذمومة المبنية على المداهنة والغدر واللبيب يهرب من صداقة الأحمق الذي يلهو معك في اليسر وإذا تجمعت الهموم عليك ساعة العسر يأخذ مصلحته منك ويتركك وحدك تغرق. ومن أسوأ الأمور أن يكتشف الإنسان زيف صداقته بعد فوات الأوان ويتحسر على ساعات العمر وفساد المودة. ومن أخطر آثار الصحبة أنها تبسط نفوذها على مجال الفكر والعاطفة في آن واحد ومن هنا قال العلماء “عَزِيزٌ مِنْ يَصْدُقُ فِي الصَّدَاقَةِ، فَيَكُونُ فِي الْبَاطِنِ كَمَا هُوَ فِي الظَّاهِرِ، وَلا يَكُونُ فِي الْوَجْهِ كَالْمِرْآةِ وَمِنْ وَرَائِك كَالْمِقْرَاضِ”. إن المرء يعرف بقرينه، والصاحب ساحب، وإنما المرء بصديقه، من هنا وجبت معرفة أنواع الأصدقاء ووجب حسن الاختيار. ولكي نحصل على صداقة عامرة ذات مشاعر غامرة نحتاج إلى معرفة طبقات الصداقات وانتقاء الأفضل منها لدعم صداقاتنا الأسرية.

مهما تنوعت أصناف الصداقات فإنها تنقسم إلى قسمين وفريقين متقابلين: صداقة محمودة تعيش في كنف الخلق القويم، وصداقة مذمومة أغرتها بريق الشهوات المورثة للحسرات. ومعيار ذلك غلبة الخير أو الشر في العلاقات الناشئة. قال تعالى {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67). والخليل هنا الصديق الحميم ولكن صديق السوء يعجز عن تقديم المعونة في نهاية المطاف فيكون عقابه اللوم والحسرة والشقاوة.

ورد في تفسير تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور أن الأخلاء “جمع خليل، وهو الصاحب الملازم، قيل: إنه مشتق من التخلل لأنه كالمتخلّل لصاحبه والممتزج به”. قال محمد حسين فضل الله في تفسيره؛ من وحي القرآن “تتحول الصداقة إلى عداوة {إِلاَّ الْمُتَّقِينَ} الذين عاشوا الحياة على التعاون في البر والتقوى الذي يفتح قلوبهم على الحق والخير والهدى في طريق الله الذي يجمعهم على الإيمان في الدنيا، وينتهي بهم إلى رضوان الله ونعيمه في الآخرة، ما يجعل الصداقة تمتد بهم إلى الآخرة، لأن الأساس الذي ارتكزت عليه علاقتهم لا ينقطع بانتهاء الحياة الدنيا، بل يتصل بمضمونه الروحي بالآخرة، ليناديهم الله بالنداء الحميم الذي يفتح قلوبهم على الخير كله”. وقال ابن عجيبة في تفسيره (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد) “يقول الحق جلّ جلاله: {الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67)، أي: المتحابون في الدنيا على الأمور الذميمة متعادون يوم القيامة، يبغض بعضهم بعضاً، فتنقطع في ذلك اليوم كل خُلة كانت لغير الله، وتنقلب عداوة ومقتاً؛ لانقطاع سببها، وهو الاجتماع على الهوى، {إِلَّا الْمُتَّقِينَ} أي: الأخلّة المتصادقين في الله، فإنها الخُلة الباقية؛ لأن خُلتهم في الدنيا لما كانت لله، وفي الله، بقيت على حالها؛ لأن ما [كان] لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، بل تزداد خُلتهم بمشاهدة كل واحد منهم بركة خُلتهم من الثواب، ورفع الدرجات. قال مالك: لا تصحبْ فاجراً لئلا تتعلَّم من فجوره، وقال ابن رُشد: لا ينبغي أن يُصحب إلا مَن يُقتدى به في دينه وخيره؛ لأن قرين السوء يُردي،

قال الحكيم:

عَن المرْءِ لا تَسْأَلْ وسَلْ عن قَرِينه   فَكُلُّ قَرِينِ بالمقارِنِ مُقْتَد

وفي الحديث: “المرْءُ على دينِ خَليله”. وورد تفسير التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الغرناطي “وإنما يعادي الخليل خليلَه يومَ القيامة، لأن الضرر دخل عليه من صحبته، ولذلك استثنى المتقين، لأن النفع دخل على بعضهم من بعض”. وليس كل من أظهرت الود لك صديقتك، فلا بد للصديقة الحقيقية أن يفصح عملها عن صفاء معدنها، وصدق تواصلها مع قدر من مظاهر الاحترام، ومشاعر الحب. أسوأ الأصدقاء هو الصديق الذي يخذلك في الأزمات بل يصد عنك ويخدعك، ويهجم عليك ويضرك، وإذا سقطت يصول حولك صولة الأسد، ويروغ منك روغان الثعلب. قال الشاعر:

وَكُنْ عَلى حَذَرٍ للنّاسِ تَسْتُرُهُ   وَلا يَغُرَّكَ مِنهُمْ ثَغْرُ مُبتَسِمِ

هذا بالنسبة للصداقة عموما فإذا يممنا وجوهنا شطر قضية الصداقة بين معشر النساء فنجد أنها درجات فهناك الصديق والصاحب والخل والعضد، وهناك النديم والرفيق، ثم هناك القرين كما هو الشأن في عالم الرجال. “وإذا راجعت بتمعن لائحة من تعتبريهن صديقات على مر السنوات، فستجدين أن من بينهن من يمكن أن تصفيها بأنها رفيقة أو أنيسة فقط، حيث تترافقان للتسوق أو في المدرسة أو في العمل وتظل العلاقة سطحية… فيما يلي إشارة إلى أبرز مواصفات الصديقة المخلصة:

المؤرخة: هي صديقة عاشت معك لحظات تاريخية في حياتك.

الوفية: هي صديقة لا تخفين عنها شيئا ولا هي تخفي عنك أي شيء في الغالب.

المرشدة: هي ترشدك للصواب.

المحاورة: تتميز بأنها متحدثة.

أبرز صفات الرفيقة

الأنيقة: هي فتاة تحبين أن ترافقك للتسوق.

النجمة: مليئة بالحيوية تعتني بنفسها.

الزميلة: فتاة تستمتعين برفقتها في العمل.

زوجة صديق زوجي: علاقتك بها قائمة على علاقة زوجك بزوجها. هي امرأة لطيفة واجتماعية تقضين وقتا معها” (الممتاز ، 2011م، ص 12، باختصار وتصرف).

طبقا للدراسات الحديثة, فإن متوسط عمر الصداقات عند السيدات يدوم أكثر من ثلاث سنوات، ومتوسط عمر الصداقات عند الرجال يدوم أكثر من خمس سنوات (هاينز, 2009م، ص 148). تعترف معظم النساء بأن صداقاتهن تكون مبنية على مشاركة المشاعر والأحاسيس والخبرات، بينما يذكر الرجال أن صداقاتهم تبنى على الأنشطة التي يشتركون في أدائها (هاينز, 2009م، ص 242).

ثمة نساء نقترب منهن بحكم القرابة في إطار الأسرة لا يطلق عليهن في الأغلب الأعم لفظ صديقات بل هن في زمرة الأهل، ولكن يمكن أن يرتقين بعلاقاتهن معك عبر المواقف فيصبحن أعز الأصدقاء كعلاقة البنت بوالدتها. هذا التقارب لا يعني –بطبيعة الحال- أن تذوب الفواصل وتختفي الخصوصيات بل هي علاقة ودودة تتخذ من المودة مسلكاً، ومن محاسن الصداقة سبيلاً، ومن القرابة مغنماً، ومن الصدق مساراً. وإذا كان الوفاء تاج الصداقة فالوفاء بين الأقرباء أشد ومشاعر المودة أوثق.

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *