بحث علمي عن حجر رشيد

قسم: مضمون » أبحاث علمية » بحث علمي عن حجر رشيد » بواسطة محمود الاسوانى - 9 أبريل 2018

موضوع تعبير عن حجر رشيد

كان قديماً تتم عمليات الحفائر فى مصر ليس من أجل البحث عن آثار أجدادنا لمشاهدة ومعرفة عظمتهم وتقدير مجهودهم الباهر وإنما من أجل العثور على آثار لبيعها أو إقتنائها .

وربما كان السبب فى ذلك هو عدم فهم كينونة الآثار وعدم التعرف على ما تقصده هذه الآثار سواء كانت تماثيل أو برديات أو مومياوات وكان السبب فى ذلك هو الجهل باللغة المصرية القديمة لأن إذا كان  يوجد حينها من يستطيع قراءة وتفسير ما هو مكتوب فى البرديات أو على جدران المعابد والمقابرلتم الحفاظ عليها .

ومن حسن حظ الحضارة المصرية أن تم إكتشاف حجر رشيد . ذلك الحجر الذى ضم مفاتيح اللغة المصرية القديمة والذى لولاه لظلت الحضارة المصرية غامضة لا ندرى من أمرها شيئا لأننا لا نستطيع أن نقرأ الكتابات التى دونها المصريون القدماء على آثارها .

وقد عثر على هذا الحجر بمدينة رشيد الواقعة على مصب فرع نهر النيل فى البحر المتوسط . ومدينة رشيد أخذت إسمها من الإسم الفرعونى (رخيت) وفى العصر القبطى أصبح إسمها (رشيت) .

حيث فى عام 1799 م عثر أحد ضباط الحملة الفرنسية ويدعى (بيير بوشارد) على حجر رشيد أثناء أعمال رفع الأتربة من قلعة (سان جوليان ) والتى تقع بالقرب من مدينة رشيد تمهيداً لتجهيز القلعة لتلائم الأسلحة الفرنسية الحديثة من مدافع وبنادق وذلك للدفاع ضد الإنجليز والأتراك . وعندئذ وقع بصر الضابط على هذا الحجر فأرسل به لقائده الجينرال ( مينو ) الذى أمر بنقله إلى الإسكندرية .

عهد حجر رشيد

حجر رشيد هو مرسوم ملكى من عهد الملك (بطلميوس الخامس) ويرجع تأريخه إلى 196 ق . م . وهو كان عبارة عن لوحة ذات قمة مقببة تنقسم إلى قسمين القسم العلوى وهو المقبى نقش عليه منظر دينى يمثل تقدمة قربان من الملك بطليموس الخامس لبعض الآلهة ولأجداده البطالمة الأوائل كما كان معتاداً فى نقوش المراسيم الملكية فى ذلك العصر . ثم يحتوى الجزء السفلى منه على متن المرسوم الملكى الذى كتب بواسطة كهنة منف ومحتوى الكتابة تمهيداً للملك ( بطليموس الخامس ) يشكرونه فيه لقيامه بوقف الأوقاف على المعابد وإعفاء الكهنة من بعض الإلتزامات . وقد سجل هذا المرسوم بخطوط ثلاث وهى حسب ترتيب كتابتها :- الهيروغليفية – الديموطيقية – اليونانية .

وقد كتب بالهيروغليفية لأنها اللغة الدينية المقدسة المتداولة فى المعابد وقد فقد الجزء الأكبر من الخط الهيروغليفى . أما الخط الديموطيقى فهو لغة الكتابة الشعبية ( العامية المصرية ) وكتب الكهنة المرسوم بهذا الخط حتى يفهمه عامة المصريين . ثم الخط اليونانى وهو الخط الذى تكتب به لغة البطالمة الذين كانوا يحتلون مصر حتى يفهمه الحكام الإغريق .

ثم نقل الحجر إلى القاهرة وبعد نقله أمر (نابليون) بإعداد عدة نسخ منه لتكون فى متناول المهتمين فى أوروبا بوجه عام وفى فرنسا بوجه خاص بالحضارة المصرية .

وحجر رشيد وصل إلى بريطانيا عام 1802 م بمقتضى إتفاقية أُبرمت بين إنجلترا وفرنسا تسلمت إنجلترا بمقتضاها حجر رشيد وآثار أخرى .

وكانت الحملة الفرنسية فى مصر ُتصدر جريدة يقرأها كل الجيش الفرنسى تطلعهم بالأكتشافات العلمية والتاريخية والدينية وغيرها من أخبار فأعلنت جريدة قوات الحملة (لاكوريين ديجيبت) نبأ هذا الإكتشاف التاريخى الهام وسألت عما إذا كان وجود الكتابة الإغريقية التى يبدو أنها ترجمة للنص المصرى يمكن أن تزودنا بمفتاح لقراءة اللغة الهيروغليفية .

كانت المحاولات الأولى لنشر مضمون هذا الحجر فى عام 1802 م وهى ترجمة للنص اليونانى والذى قام بها الإنجليزى (ويستون WESTON) وأوضحت ترجمة النص أنه مرسوم ملكى من عصر( بطلميوس الخامس) وأنه كتب بالثلاث خطوط الممثلة على الحجر . ومنذ ذلك الحين توالت الدراسات على النسخ العديدة من الحجر وكان هناك محاولتين أخرتين الأولى قام بها المستشرق (سلفستردى ساسى SILVESTRE DE SACY ) الذى حاول مقارنة النصين الديموطيقى واليونانى من خلال موضع الأسماء محاولاً تصور نطق بعض العلامات الديموطيقية فى الأسماء وبعد التوصل لهذه العلامات يمكن محاولة قراءة بعض الكلمات الأخرى التى وردت فيها نفس العلامات . والمحاولة الثانية كانت للدبلوماسى السويدى ( أكربلاد AKERBLAD ) الذى أكمل محاولة دى ساسى وكان لكليهما قراءات لعدة علامات حالف بعضها الصواب وإتسم أغلبها بالخطأ.

حجر رشيد والفيزياء

ثم جاء بعد ذلك محاولة الفيزيائى الشهير ( توماس يونج THONAS YOUNG) الذى توصل إلى أن الديموطيقية هى خط مختصر للهيروغليفية وحدد قراءة بعض العلامات الهيروغلفية بمقارنة كتابة الأسم اليونانى لبطلميوس وهو الأسم الذى حدد داخل خرطوش فى النص الهيروغليفى وتوصل أيضاً إلى أن العلامات الهيروغليفية تشتمل علامات صوتية وعلامات تصويرية فمثلاً فى أسم (برنيكى) حدد حرف ” ن ” كعلامة صوتية وعلامة ” البيضة ” كمخصص للكلمات المؤنثة إلا أنه كان يعتقد أن الهيروغليفية هى فى مجملها علامات تصويرية لا تقرأ وإنما تستخدم هذه العلامات لإعطاء قيمة صوتية فقط عند كتابة الأسماء الأجنبية كبطلميوس وكليوباترا . وكتب يونج عن بعض العلامات الهيروغليفية والديموطيقية للموسوعة البريطانية الشهيرة Encyclopaedia Britanica  وكان ذلك عام 1819 م وعلى الرغم من كل ذلك لم يستطع يونج من قراءة كلمة مصرية واحدة فى النص الهيروغليفى . ورغم كل الجهود السابقة فى فك الرموز حجر الرشيد إلا أن الفضل الأكبر يرجع إلى المحاولة الأخيرة والناجحة على يد الشاب الفرنسى النابغة ( شامبليون ) أسمه بالكامل ( جون فرانسواه شامبليون  jean francois champllion) وكان إهتمام شامبليون باللغة المصرية القديمة قد بدأ منذ صباه عندما ألتقى وهو فى الحادية عشر من عمره مع جوزيف فورييه حاكم مقاطعة إيزر وكان عضواً سابقاً فى الحملة الفرنسية على مصر وسكرتيراً دائماً للمعهد العلمى المصرى وكان يملك نسخة من حجر رشيد وقد شد إنتباهه هذا الحجر وكان العشق هذا الصبى لتعلم اللغات ما جعله يدرس العديد من اللغات مثل اليونانية واللاتينية والعربية والقبطية والعديد من اللغات الأخرى القديمة. وكانت هذه اللغات وخاصة القبطية عوناً له فى التوصل لحل رموز اللغة المصرية القديمة وقد بدأ شامبليون من حيث إنتهى من سبقوه فى محاولاتهم فجمع كثير من نسخ لنصوص مصرية من أوراق نشرت بواسطة أعضاء الحملة الفرنسية وفى عام 1822 م جمع نسخ لنصوص من المعابد المصرية فى النوبة والتى تحوى خراطيش ملكية لتحتمس الثالث ورمسيس الثانى وحاول ربطها بالقبطية وما ذكر لدى الكتاب الإغريق القدامى وتعدد محاولاته ومنهجه البحثى من مرحلة لأخرى حتى يتمكن من الوصول إلى قراءة المصرية القديمة . فأعلن شامبليون على العالم أنه تمكن من فك رموز اللغة المصرية القديمة وأن بنية الكلمة فى اللغة المصرية لا تقوم على أبجدية وإنما تقوم على علامات تعطى القيمة الصوتية لحرف واحد وأخرى لأثنين وثالثة لثلاثة وأكد إستخدام المخصصات فى نهاية المفردات لتحديد معنى الكلمة .

وفى عام 1824 م نشر شامبليون كتابه (  précis du systeme hieroglyphique)  الذى أوضح فيه أسلوب كتابة الهيروغليفية وصلتها بالقبطية وكذلك قواعد اللغة المصرية القديمة .

وهكذا وضع ( شامبليون) اللبنات الأولى فى صرح اللغة المصرية القديمة وجاء من بعده المئات من الباحثين الذين أسهموا فى إستكمال بناء هذا الصرح الشامخ . وبعد وفاة شامبليون عام 1832 م قام ( ريتشارد ليبسيوس RICHARD LEPSIUS ) بإستكمال ما بدأه شامبليون . وفى عام 1837 صحح ليبسيوس خطأ واحد لشامبليون وهو تصحيح نطق العلامة (مس) التى ظهرت فى أسمى تحتمس ورمسيس وكان قد أعتقد شامبليون أنها تقرأ ( م ) وأدرك ليبسيوس أن العلامة تقرأ ( مس ) وأن العلامة ( س ) التى تلت العلامة ماهى إلا متم صوتى للعلامة (مس) .

معاهد الاثار

ثم تلا ذلك إنشاء العديد من المعاهد المتخصصة فى دراسة الآثار المصرية فى العديد من المدن الأوروبية وأصبح النشاط الأثرى كعلم للآثار ولم تعد الحفائر الأثرية مجال نشاط يهدف إلى نهب المقابر وجمع القطع الآثرية وإنما أصبح علماً يهدف إلى اكتساب المعرفة العلمية عن الحضارات القديمة . وبسبب معرفة اللغة المصرية القديمة بدأ الغموض يتجلى عن الحضارة المصرية وأخذ علم المصريات يشق طريقه بقوة بين العلوم الأخرى .

وحجر رشيد محفوظ الآن بالمتحف البريطانى . وهو مصنوع من الحجر الجرانيتى وليس من البازلت كما كان يعتقد قديماً فقد قام الإنجليز بتنظيفه فى أكتوبر عام 1998 م وأتضح أنه منه الجرانيت بينما اللون الأسود الذى كان عليه وهو ما جعل الجميع يعتقد أنه من البازلت فهو من جراء إعداد النسخ الكثيرة منه لأعضاء الحملة الفرنسية كما أمر بونابرت وهذا هو ما جعله يأخذ اللون البازلتى .

 

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *