بحث علمي عن أهمية الصداقة للصحة العامة

قسم: مضمون » أبحاث علمية » بحث علمي عن أهمية الصداقة للصحة العامة » بواسطة عبد الرحمن - 5 أبريل 2018

الصداقة الأسرية من مفاتيح بناء كيان مكين يفسح المجال لحسن التعامل المهذب بين أعضاء الأسرة. بناء شامخ يعادي الإحباط والشعور بالعزلة ويصد هجمات القنوط والوحدة ويرفض التشاؤم. تتشوق الأم إلى من يصاحبها فيزيل وحشة الوحدة عنها، ويواسيها في أيامها وآلامها، ويعينها في كفاحها، والبنت أقدر على فهم الأم وأسرع في تلبية حاجاتها. توفّر علاقات الصداقة إسنادا لا يُستهان به؛ إذ “تساعد على تجنب الشعور بالوحدة الذي يسبب الشعور بالقلق والملل, وانخفاض تقدير الذات. وعلى مقدار ما تكون شبكة العلاقات الاجتماعية كثيفة, يستطيع المرء التخلص من تلك المشاعر. وعلاقات الصداقة الأشد تأثيراً في تخفيف العناء, هي تلك العلاقات الحميمة التي تُسقِط الكثير من التكلُّف, وتوفر مظلّة أمنية واقية من أهوال الأحداث المفاجئة غير السارّة” (بكار، 1428هـ).

من أبرز خصائص الأسرة الإنسانية أنها اجتماع يقوم على المودة، ينشأ وينمو في جو من عواطف الحب ومشاعر الحنان والاحترام والإيثار والرغبة الصادقة بتحمّل المسؤولية. إن جميع الأدوار الأسرية تحدث في سياق وجداني واجتماعي لنماء شخصية الفرد لأداء أدواره الحيوية بفاعلية وتحميه من المشكلات وتعينه في الأزمات.

إن الصداقة تقلص الوحدة وتشعرنا بجمال الوجود

وتحقق الإشباع العاطفي والتكاتف الاجتماعي. الإحساس بالوحدة مشكلة لا يرجى لها شفاء إلا بالتواصل الإنساني. الصحبة الإيجابية عافية للبدن ورحمة للنفس فتعينها في تفريغ شحنة التوترات النفسية على نحو سليم والصداقة من أسباب طول العمر وفي الأثر “صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الحياة الدنيا، وخير لكم في آخرتكم”. ولقد ثبت أن صلة الرحم يزيد في العمر فقد ورد في الحديث الشريف “تعلَّموا من أنسابكُمْ ما تصِلُونَ بهِ أرحامكُمْ فإنَّ صلةَ الرَّحمِ محبَّةٌ في الأهلِ، مثراةٌ في المالِ، منسأةٌ في الأثرِ”. وقوله “مثراة في المال”: سبب لكثرته. وقوله “منسأة في الأثر”: تأخير في الأجل وتطويل في العمر. التفاعل الدافئ مع الآخرين يعيد مستويات كيماويات الاستحثاث في الدماغ والجسم إلى حالاته المثلى. احتضان الأم أو الأخت أو الزوج ولمسات المحبة الدافئة تسبب بإطلاق الأُكسيتوسين في الجسم. وهذا يشعرك بالهدوء ويعمل على إحداث تهدئه طبيعية في الدماغ مما ينشطه (لاند ويانكسب، 2010م، ص 268-269).

ومن جانب آخر فإن الصداقة سلاح

له فاعلية كبيرة في مقاومة الأمراض، ومعالجة الاكتئاب وله دور ملحوظ في سرعة التماثل للشفاء، وله شأن في أن يقلل من سرعة الشيخوخة فهو فعلا سلاح يغفل عنه معظم الناس (Parker-Pope, 2009). إن الاكتئاب يمكن أن يسبب تلفاً في الدماغ وخطرا ظاهرا على نفسية الفرد. وفي بحث ميداني عن الصداقة تطرق إلى أن الصداقة الحقيقية قد تساعد في إطالة العمر وزيادة كفاءة جهاز المناعة. نشرت وسائل الإعلام العالمية ملخصات لدراسات طبية تربط الصداقة بالصحة العامة. وجدت دراسة أن عقد صداقات ناجحة يعد عاملاً قد يساهم في إطالة العمر. ويقول الباحثون إن الدراسة، التي اعتمدت على مراجعة 148 دراسة مختلفة حول العلاقات الاجتماعية والوفيات، وجدت أن من يتمتعون بعلاقات اجتماعية قوية، ارتفعت بينهم احتمالات طول العمر.

ويؤكد البحث العلمي ما كشفته دراسات سابقة بأن الصداقة تعتبر مصدراً هاماً من مصادر السعادة الحقيقية، ولا تقل أهمية عن السعادة التي تولدها الحياة العائلية، وتزداد أهمية الصداقة مع التقدم بالعمر. العلاقات الاجتماعية ينبغي أن تؤخذ على محمل الجد. قام الباحثون بقياس العلاقات الاجتماعية بعدد من الطرق، من بينها النظر إلى حجم الشبكة الاجتماعية للمشارك، وإذا ما كان متزوجاً أم يعيش عازباً، بالإضافة إلى تقدير مفهوم العلاقات بالنسبة للمشاركين، وكيفية اندماجهم في الشبكات الاجتماعية أو المجتمعية. علاقتنا يمكن أن تؤثر على صحتنا  بطرق شتى، على سبيل المثال، يمكن أن تساعدنا على التعامل السليم مع الضغوط العصبية التي  قد يكون لها تأثير سلبي كبير.

ويرى الخبراء في الدراسة، التي نشرت في دورية PLoS الطبية، أن الصديق يوفر الدعم الاجتماعي من جهة، والإرشاد، والمساعدة المادية، لأن العلاقة مستمدة من الثقة المتبادلة بين الطرفين، إضافة إلى ذلك فإن الروابط المشتركة بين الأصدقاء تجعلهم يقضون وقتاً ممتعاً حتى في الأوقات العصيبة. وكانت دراسات سابقة قد وجدت أن سر طول العمر هو زيادة عدد الأصدقاء، وأن الحياة الاجتماعية النشيطة تزيد من كفاءة جهاز المناعة. لاحظ الباحثون في علم النفس والتربية والاجتماع أنه على الرغم من أن المشاعر الإيجابية الشاملة تزداد إلى حد ما مع ارتفاع الدخل الاقتصادي للفرد وحياة الرفاهية، إلا أن هذا الإحساس أكثر ارتباطا بعوامل أخرى لا صلة لها بالمادة بل ذات صلة كبيرة بالجوانب الروحية والعاطفية والاجتماعية، مثل الإحساس بالاحترام، والتمتع بالاستقلال الذاتي والدعم العاطفي والاجتماعي من الأصدقاء والأسرة، إلى جانب الرضا الوظيفي والتوافق بين معتقدات الفرد الدينية والأخلاقية ومجريات الحياة التي يعيشها.

ونشرت وسائل الإعلام العالمية أيضا دراسة علمية مفادها أن الوحدة قد تكون معدية، إذ يمكن للشخص الذي يعاني من الوحدة أن “يعدي” بها من حوله. وخلصت الدراسة إلى أهمية الصداقة في حياتنا اليومية. إن صديق الشخص الذي يعاني من الوحدة معرض بنسبة 52% لأن يعاني من الوحدة، كما أن صديق الصديق معرض بنسبة 25%، وصديق صديق الصديق معرّض بنسبة 15 %. كما أظهرت الدراسة أن من يعانون من الوحدة، هم الأرجح من يعيشون دون أصدقاء، ولهم القدرة على خسارة الأصدقاء باستمرار. وأظهرت الدراسة أن العدوى أقوى من الشخص الذي يعاني من الوحدة إلى صديقه، ثم إلى جاره، غير أنها تنخفض بين الأزواج والأخوة، كما تنتقل بشكل أقوى من النساء إلى الرجال. الذين يعانون من الوحدة يتصرفون بطرق سلبية مع الأشخاص الذين يتفاعلون معهم، مما قد يساهم في نقل ذلك السلوك. وقال خبراء إن الدراسة تعكس خطورة الشعور بالوحدة، والحاجة إلى التواصل، بدلاً من اللامبالاة ونبذ تلك الفئة، مشيرين أن الناس يمكنهم التواصل مع أحبائهم ممن يعانون من الوحدة عوضاً عن الابتعاد عنهم.

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *