الفرق بين الأخلاق والآداب

قسم: معلومات عامة » الفرق بين الأخلاق والآداب » بواسطة عبد الرحمن - 5 أبريل 2018

لماذا تختلف الأذواق ويحصل النزاع أحيانا بين جيل الأمهات وجيل البنات؟

هل تتغير القواعد الأخلاقية من جيل لآخر؟ لماذا تختلف آداب الملبس ونظام التفكير بين البنات وبين معظم الأمهات؟ لماذا تتصادم الأم مع ابنتها في المسائل العصرية؟ هل تتغير الآداب من عصر إلى عصر؟ هل هناك صراع بين الأجيال؟ ما أوجه المقارنة بين الأخلاق والآداب من حيث المعنى والغاية والجزاء؟ ثمة مقاربات تربوية سوف نستعرضها هنا قد تجيب عن بعض تلك الأسئلة الملحة.

لكل عصر وشخص خصائص تميز ثقافته ومنطقه وذوقه، وهناك ثوابت ومتحركات، وهناك أصول وهناك فروع، وهناك القطعي وهناك النسبي. إن القواعد الأخلاقية عموما لا تتغير ولكن الآداب في كثير من فروعها تتأثر بالعصر وتتغير من حين لآخر. آداب الأكل والشرب والملبس تتغير تبعا لثقافة الشعوب، وتنوع الأذواق أما الأخلاق المحمودة كالشجاعة والصدق والأمانة وحسن الصحبة فهي راسخة عبر العصور. ولهذا قال الإمام علي رضي الله عنه “لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم” هذه العبارة التي تناقلتها الكتب التراثية تصلح كقاعدة لاستشراف المستقبل وإرساء مبدأ المرونة في التنشئة الاجتماعية. إن التربية الإسلامية كانت ولم تزل منارة مضيئة لكل باحث عن التربية القويمة.

ومن منظور التربية الإسلامية فإن العلم بلا خلق لا قيمة له. ولهذا عظم الإسلام من شأن الأخلاق؛ وفي الحديث “أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فلا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وصِدْقُ حَدِيثٍ، وحُسْنُ خَليقَةٍ، وعِفةٌ في طُعْمَةٍ” (رواه أحمد). وقال الحكماء “حسن الخلق يستر كثيراً من السيئات كما أن سوء الخلق يغطى كثيراً من الحسنات“. قال أحمد شوقي:

صَلاحُ     أَمرِكَ     لِلأَخلاقِ  مَرجِعُهُ           فَقَوِّمِ     النَفسَ      بِالأَخلاقِ        تَستَقِمِ

يميز بعض الباحثين بين الأخلاق والآداب. وتحت باب خلوقين وليسوا مؤدبين كتب باحثان في التربية عن الفرق بين الخلق والأدب فقالا “هناك فرق بين أصحاب الخلق من الناس والمؤدبين، فالمؤدب مضبوط بواسطة عوامل خارجية ولكن صاحب الخلق ضبط نفسه من الداخل ونحن نريد أن نصل بأولادنا لأن يكونوا من أصحاب الخلق” (الرشيدي، الجناعي، 2011م، ص 153). إن ما سبق يشكل أرضية خصبة لفهم الناشئة وتوجيههم نحو الفضائل بكافة الوسائل ولاستيعاب التفاوت بين الأجيال.

“فدائرة قواعد الأخلاق هي أوسع من دائرة قواعد الآداب العامة لأن قواعد الآداب تهتم بواجب الفرد نحو المجتمع، في حين تهتم قواعد الأخلاق إضافة إلى ذلك بواجب الفرد نحو نفسه، وهي تهتم بالبواعث والنيات إضافة إلى السلوك المادي الخارجي. إن قواعد الآداب تصدر عن قواعد الأخلاق كما يصدر النهر من الينبوع. ومن حيث الغاية: إن غاية الأخلاق هي الوصول بالإنسان إلى الكمال والسمو النفسي، أما غاية الآداب فهي حماية المجتمع من بعض أنواع السلوك التي يمكن أن تؤدي إلى تفسخه والانحدار به. ومن حيث الجزاء: لا يترتب من حيث الأصل على الخروج على قواعد الأخلاق أي جزاء دنيوي إلا ما ينص عليه القانون، في حين يترتب على الخروج على قواعد الآداب جزاء مدني، وقد يكون هناك عقاب جزائي. والآداب العامة بحكم كونها جزءاً من النظام العام تستمد بعض خصائصها من هذا النظام. فقواعد الآداب العامة قواعد نسبية متغيرة تختلف باختلاف المكان والزمان من مجتمع إلى آخر ومن جيل إلى جيل في المجتمع الواحد. فما يعد مخالفاً للآداب في مجتمع ما، قد لا يكون مخالفاً لها في مجتمع آخر. وما يعدّ غير مقبول في المجتمع في حقبة زمنية قد يغدو مقبولاً في حقبة لاحقة” (الموسوعة العربية، 2004م، الآداب العامة، بتصرف يسير).

ولقد كان في جيل الصحابة رضي الله عنهم أدب نساء مكة المكرمة حيث المرأة لا تجادل ولا تناقش زوجها، وأدب الأنصار في المدينة المنورة حيث كانت ثقافة النساء في هذا الأمر مختلفا جدا. قال عمر رضي الله عنه “وكُنّا مَعشَرَ قُرَيشٍ نَغلِبُ النساءَ، فلما قَدِمنا على الأنصارِ إذا هم قَومٌ تَغلِبُهم نِساؤهم، فطَفِقَ نِساؤنا يأخُذْنَ من أدبِ نساءِ الأنصارِ [يتعلمن من نسائهم]، فصِحْتُ على امرأتي، فراجَعَتْني، فأنكرتُ أن تُراجِعَني. فقالت: ولِمَ تُنكِرُ أن أُراجِعَكَ؟ فوالله إنّ أزواجَ النبيّ صلى الله عليه وسلّم ليُراجِعْنَهُ، وإنّ إحداهُنّ لتَهجُرُهُ اليومَ حتّى الليلِ…” (رواه البخاري).

الأخلاق ذات ارتباط أوثق بالدين بينما الآداب مرتبطة أكثر بحركة المجتمع وثقافته. قال غاندي: “إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد لا يقبلان الانفصال، ولا يفترق بعضهما عن بعض، فهما وحدة واحدة لا تتجزأ، إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجو للروح، وبعبارة أخرى الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذي الزرع وينميه”. قال أحمد شوقي:

وليس بعامرٍ بنيانُ قومٍ                       إذا أَخلاقُهُم كانت خرابا

يتجاهل بعض الآباء والأمهات متغيرات الزمن وطوارئه بين ما كانوا عليه أيام الشباب وما عليه أبناؤهم الآن كما يقول سلمان العودة؛ “يريدون منهم أن يأكلوا ويشربوا ويلبسوا أو يتصرفوا كما كان آباؤهم يفعلون حين كانوا في مثل سنهم. فثمت متغيرات في شتى النواحي بين الأجيال يجب اعتبارها، لئلا تكون التربية قسراً وإكراهاً يقتل شخصية أبنائنا ويفقدهم الثقة بأنفسهم .. إن مصادرة شخصية الولد من شأنها أن تصنع عنده عقوقاً لأنه يريد أن يحقق ذاته ولو غضب والداه، أو تصنع عنده ضياعاً وضعفاً في الشخصية لأنه قرر أن يستسلم لإرادة والديه مع عدم رضاه داخلياً, مما يجعله مشتتاً مرتبكاً، وهنا تنشأ وتكبر العُقد النفسية وحالات الاكتئاب والقلق، ثم النفاق والتصنع والازدواجية” (باختصار).

البر بالوالدين من ركائز الأخلاق الإسلامية واستقرار الأمن الاجتماعي ومن هذه الأخلاقيات تتفرع آداب متنوعة لا حصر لها تهدف إلى الوصول بالإنسان إلى الكمال والسمو النفسي عبر طاعة الله سبحانه. وهكذا وعلى ضوء المقاربات الفكرية السابقة تصبح التربية الأخلاقية (Moral education) مهمة في ترويض النفوس وتأليفها مع إتاحة قدر كبير من الحركة والتغيير في مجالات متنوعة ذات صلة بالآداب والاندماج الاجتماعي لاسيما في البيئة الأسرية. إن فهم ما سبق من شأنه توفير قدر من الفهم العميق لحالات الاختلاف بين جيل الأمهات والبنات من أجل تفاعل سلوكي متزن وتوخي أساليب تربوية منفتحة تتيح فرص انتقال القيم الكبرى بمرونة. علاقاتنا الحميمة بأمهاتنا تساهم في فهم تجاربهن وتحريك الفكر نحو المصالحة والتقارب والالتفاف جميعا حول مكارم الأخلاق والمرونة أحيانا لتسع اختلاف الآداب الذوقية والتي ترجع إلى الفروق الفردية والمكتسبات الفكرية والسمات العصرية الخاصة بكل فرد وفق قناعاته.

 

صداقة لا تنقطع في الأسواق

أنشطة الحياة اليومية ومن ضمنها عادة التسوق يمكن القيام بها بطريقة إبداعية تراعي تطبيق بعض آداب الصداقة ومن النباهة تحويلها من أنشطة روتينية تقليدية مملة ذات هدف واحد إلى أنشطة ذات أهداف متنوعة وبطريقة ممتعة إلى أقصى درجة. لا يتم ذلك المراد إلا بروح صادقة وقدرة على التخطيط والترتيب وحسن إدارة الوقت والقناعة بضرورة تجديد أنشطتنا التقليدية وضرورة اتباع عادات حضارية أكثر مرونة وأعظم نفعا على شرط أن لا يكون التسوق مانعا عن أداء الفرائض {رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (النور: 37). السوق ساحة طبيعية للحياة المجتمعية يصول فيها البائع والمشتري وتقوم على قاعدة التنوع والاختيار، ومفتوحة للجميع ولا تنقطع فيها روابط الطاعة والعبادة والتقوى. يقوم الناس في قضاء شؤونهم وشراء السلع التي تجلب من أقطار الدنيا لتبادل المنافع.

من وظائف الصداقة بين البنت والأم أن تنمي ثقافة توطد الاعتدال في التجمل والعناية بالنفس فتستشير البنت والدتها في هذه المجالات الحياتية الضرورية. التسوق في حدود الاعتدال من أجمل الأنشطة التي تتدرب الفتاة مع والدتها على مفاهيم حياتية عديدة لتتعرف على معايير اختيار ملبسها وعطوراتها وحاجياتها الشخصية المتعلقة بعالم الإناث في ضوء تناسق الألوان، وأشكالها، وأسعارها، وأسس الضرورات الجمالية. وخلال هذه الفترة في التسوق يمكن استثمارها في أداء الصلاة إذا حان موعدها علما بأن المجمعات التجارية حريصة على تخصيص أماكن لصلاة النساء. ويمكن أيضا استغلال فترة التسوق في جلسة حوارية قصيرة لتناول وجبة طعام خفيفة أو شرب الشاي والقهوة فإن هذه الجلسات عادات صحية يمكنها تجديد دائرة علاقات الصداقة بما يشجع الصداقة الأسرية ويزكيها ويزيد من فاعليتها. وتستطيع الفتاة برفقة والدتها زيارة طاولات التوعية الصحية والدينية والوطنية والاجتماعية وهي أنشطة ثقافية بدأت تنمو في الأسواق التجارية الكبيرة وهي فكرة ذكية ذات منافع عظيمة. إن دور البنت أن تغتنم صحبة والدتها فتبادر إلى فتح المواضيع الحوارية وأخذ الاستشارات السريعة إن أمكن بغرض توسيع ثقافتها وتحقيق التواصل مع والدتها. ودور البنت أن تلاحظ حرص والدتها على تلبية احتياجات الأسرة عبر التسوق وتأخذ منها تحمل المسئولية، وحسن اغتنام الوقت، وتحقيق مطالب الأسرة بطرق إدارية ناجحة. لم تعد الأسواق كما كان عليه الحال في السابق بل أخذت بسلبياتها وإيجابيات تشهد تحولات كثيرة يمكن استثمارها واجتناب إشكالاتها. اليوم قد تجلس الأسرة في المجمعات التجارية لساعات طويلة دون الشعور بالملل بسبب كثرة المرافق المتنوعة المتوفرة، والخدمات الراقية فيها.

ومن حسن التسوق اقتناء الكتب المفيدة والمجلات النافعة والإصدارات الفكرية المتنوعة فإنها أغذية للروح وجمال للذهن ويمكن للأم أن تقدم استشاراتها لك إن كانت ذات ثقافة جيدة في هذا الجانب. إن قيمة الإنسان تتجلى في الأمور التي تشغل باله فإن كانت في سفاسف الأمور كانت الخسارة جسيمة والنتائج أليمة. وهكذا يمكن استثمار عملية التسوق لتحقيق منافع شتى تشد من عضد الصداقة فالتسوق الواعي الهادف المخطط له بعناية وسيلة للترويح عن النفس عبر الجلسات الحوارية ولتعلم البنت ثقافة اللباس، ولتنمية العلاقات عبر المناقشة والاستشارة، والاهتمام بجماليات المظهر والجوهر دون إفراد أو تفريط، وتشجيع التجمل المعتدل لا التبرج المبتذل. ويتم ذلك كله على أساس الأخلاقيات الإسلامية الرفيعة التي تجعل التسوق مسئولية وفرصة لتعلم وتطبيق بعض الآداب الاجتماعية والدينية والثقافية ولتأمين مآرب اقتصادية أخرى. لقد جاء الإسلام حقا وصدقا لنهضة المرأة خلقا وروحا ومظهرا وصدق الشاعر السوري أديب محمد سعيد التقي (1313-1365هـ/1895-1945م):

وَنَهضة الأُمَّة أَن تَرتقي
أَسعدكِ الدين بآدابه
أَلم يَكُن أَحمَد في ما مَضى
  في خُلقِكِ السامي وَفي حشمتك
فَلا تُحيليه إِلى شِقوتك
أَوَّل مِن حَضَّ عَلى نَهضتك؟

1 ونسب هذا القول أو قريب منه إلى أرسطو  حيث قال “لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فأنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم” (العاملي، ص 257، ص 425، الشهرستاني، ص 123) وقيل أن أفلاطون قال “لا تجبروا أولادكم على آدابكم فإنهم ..”.

 

شارك هذه المقالة
مضمون قد يهمك
أضف تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *